الشبهة الثالثة:-
(قالوا يجوز الأخذ بجزئية من النظام الجاهلي والدليل مسألة الجوار كانت في النظام الجاهلي والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ به وأخذ به أصحابه فقد رضي بجوار عمه أبي طالب وأبو بكر استجار بابن الدغنّه وكذلك حلف الفضول كانت في المجتمع الجاهلي فيجوز لنا الأخذ بجزئية من الديمقراطية وهي الشورى الإسلامية) ؟! ...
أقول أولا: ما هي الجاهلية؟
روى البخاري في صحيحه الحديث رقم (6882) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (أبغض الناس إلى الله ثلاثة مُلْحِد في الحرم ومُبْتَغٍ في الإسلام سنةَ الجاهلية، ومُطَّلِب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) .
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه - إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم- صـ100 - 104 (والمقصود: أن هؤلاء الثلاثة من ابتغى في الإسلام سنة الجاهلية فسواء قيل مبتغ أو متبع فان الابتغاء هو الطلب والإرادة فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخل في الحديث.
والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها. فان السنة: هي العادة، وهي الطريقة التي تتكرر لنوع من الناس مما يعدونه عبادة، أولا يعدونه عبادة قال تعالى (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض) آل عمران 137 وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لتتبعن سنن من كان قبلكم) والإتباع هو الاقتفاء و الاستنان. فمن عمل شيء من سننهم: فقد اتبع سنة الجاهلية.
وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية في أعيادهم وغير أعيادهم. ولفظ (الجاهلية) قد يكون اسما للحال - وهو الغالب في الكتاب والسنة - وقد يكون اسما لذي الحال فمن الأول: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر (إنك امرؤ فيك جاهلية) وقول عمر (إني نذرت في الجاهلية: أن أعتكف ليلة) .... وأما الثاني فتقول طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم أو عدم إتباع العلم .... وكذلك من عمل بخلاف الحق: فهو جاهل، و إن علم أنه مخالف للحق، كما قال سبحانه {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} النساء 17 قال أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم (كل من عمل سوءا فهو جاهل)
فإذا تبين ذلك: فالناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإنما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم الجهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون: من يهودية ونصرانية فهي جاهلية وتلك الجاهلية العامة.
فأما بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: فقد تكون في مصر دون مصر كما هي في دار الكفار وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم فإنه في جاهلية وإن كان في دار الإسلام فإما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (أربع في أمتي من أمر الجاهلية) وقال لأبي ذر (إنك امرؤ فيك جاهلية) ونحو ذلك فقوله في هذا الحديث (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية) يندرج فيه كل جاهلية: مطلقة أو مقيدة يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئية أو وثنية أو مركبة من ذلك أو بعضه أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها مبتدعة ومنسوخة صارت جاهلية بمبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان لفظ (الجاهلية) لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها. فإن المعنى واحد) أ. هـ بتصرف