فيتكلم فيه مع الصحابة من المهاجرين والأنصار، فهم أهل العلم المؤهلين للشورى بدلالة وصف ابن عوف لهم بقوله (فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا) رضي الله عنهم أجمعين.
5 = وقريب من الحديث السابق، حديث مشاورة عمر لمن معه بشأن الطاعون الذي وقع بالشام عند مقدمِه إليها، وقد سبق الحديث بتمامه.
وفيه أن عمر استشار المهاجرين الأولين والأنصار وهم أهل الفضل في العلم والدين، واستشار مشيخة قريش وهم المُسِنُّون أهل الخبرة والتجارب [1] .
6 = وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [2] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ـ قِيلَ وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ» [3] . وأهل أمانة الشورى هما العلماء المختصون كما سبق.
7 = ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [4] . ففي هذا الحديث أنه لا يُسأل إلا العلماء، وأن تَصَدُّرَ الجهال لأمور الناس هو الضلال.
هذا فيما يتعلق بمجلس الخبراء وصفة أعضائه التي تؤهلهم للشورى وهي صفة العلم والخبرة.
الثاني: مجلس العرفاء أو النقباء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» [5] ، وهذا المجلس يضم ممثلين لجميع أبناء الأمة، وعن طريقه يتعرف الحاكم على مطالب الناس واحتياجاتهم ورأيهم في أعمال الحكومة ومشاريعها ووجه النفع أو الضرر فيها، فيتعرف بذلك على النافع للناس ويحدد أولوياته حسب أولوياته وما إلى ذلك.
ويختلف مجلس العرفاء عن مجلس الخبراء في أن الأول يضم ممثلين للأمة ولا يشترط فيهم العلم بل الدراية بأحوال الناس، بخلاف الثاني فإن الخبراء ليسوا ممثلين عن الأمة بل ممثلين لقِمَّة التخصص في شتى فروع العلم الديني والدنيوي.
ويشبه مجلس العرفاء مجلس النواب الجاهلي في وجه وهو أن أعضاءه ممثلون لجميع الأمة، ويختلف عنه في أربعة أوجه وهي صفات الأعضاء وكيفية اختيارهم ومن له حق اختيارهم وسلطاتهم:
فمن ناحية صفات الأعضاء يشترط في العرفاء العدالة بشروطها الجامعة فهم سفراء بين الإمام والرعية ولا نصيب فيها لامرأة ولا لكافر (أو ذمي) ولا لفاسق، وكل هذا لا يراعى في صفات النواب.
ومن ناحية كيفية الاختيار، فالعرفاء لهم حالان: أ= أن يكون لا خلاف في فضلهم وتقديمهم في مناطقهم فهؤلاء يُعَيَّنون من جهة الإمام. ب= أن يتعدد الصالحون ويتكافاؤا، فيختار الإمام أحدهم وإذا تخلى الإمام عن حقه في هذا، فيُختار أحدهم إما بالقرعة وإما بالانتخابات (التصويت) على ألا يشارك في الانتخاب إلا العدول، ستأتي الأدلة على شرعية القرعة والانتخاب. أما النواب فيختارون بالانتخاب إلزاما.
(1) - انظر فتح الباري ج 10 ص 190
(2) - سورة النساء، الآية: 58
(3) - راوه البخاري عن أبي هريرة
(4) - متفق عليه عن عبد الله بن عمرو
(5) - رواه البخاري