فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 187

ومن ناحية من له حق الاختيار، فالعرفاء يختارهم الإمام وإذا فوض ذلك إلى الرعية بالانتخاب في بعض المناطق فلا يشارك في الانتخاب إلا العدول من الرجال، أما النواب فيختارهم الشعب بالانتخاب ولا يراعون العدالة في المشاركين في الانتخاب.

ومن ناحية السلطات فهذا هو أهم الفروق بين العرفاء والنواب، فالعرفاء ما هم إلا سفراء بين الإمام والرعية كما بَيَّنْتُه في عمل هذا المجلس أعلاه، أما النواب في البرلمانات الجاهلية فهم آلهة وهم الأرباب للناس من دون الله المذكورون في قوله تعالى: {وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [1] ، فهم السلطة التشريعية في الأمة وما يصدرونه من تشريعات ـ أيا كانت ـ تصبح شرعا مُلْزِما لجميع الأمة كما تقضي بذلك الديمقراطية، ذلك الدين الجديد الذي ارتد كثير من الناس باعتناقه. ولهذا فنحن نقطع بتحريم المشاركة في انتخابات هذه البرلمانات بأي شكل سواء كان بالترشيح لها أو المشاركة في التصويت أو بالدعاية للمرشحين وغير ذلك، ففاعل هذا هو إما واقع في الكفر، أو موال للكافرين ناصر لأنظمتهم وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [2] ، أو معين على الإثم وقال تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [3] . ولا يُقْبَل في هذا أي تأوّل كالقول بالمصلحة إذ المصلحة ولو تحققت شروطها الشرعية اجتهاد، ولا اجتهاد مع النص، أو القول بحسن نية المشارك في هذه الانتخابات، إذ قد أجمع أهل العلم على أن النية لا تُحل الحرام ولبسط القول في هذه المسألة موضع آخر إن شاء الله تعالى.

أما عن دليلي على تشكيل مجلس العرفاء وتسميته، فهو ما ذكره البخاري في كتاب الأحكام (باب العرفاء على الناس) حيث قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس لما حَثَّهم على رد سبي هوزان بعد غزوة حنين (إِنِّي لا أَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَاذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا) . والعريف هو القائم بأمر الناس، وسمي بذلك لكونه يتعرف أمورهم حتى يُعَرِّف بها من فوقه عند الاحتياج، قال ابن حجر [قال ابن بطال في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه، قال، والأمر والنهي إذا توجَّه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط، فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد إلا القيام بما أُمِرَ به[4] ، فالعرفاء هم رؤساء الناس وهم الواسطة بينهم وبين الحكام، يبلغونه آراء الناس ومطالبهم، ويبلغون الناس تعليمات الحاكم.

فهذا هو الشكل المقترح عندي لمجلس الشورى الإسلامي أن يتكون من شِقَّين، شِق الخبراء، وشِق العرفاء وأحدهما لا يغني عن الآخر، فلا بد للحاكم من معرفة أحوال الناس وما ينفعهم وهذا موكول إلى العرفاء، ولابد له من تقييم الأعمال المختلفة بميزان الشريعة والعلوم الدنيوية وهذا موكول إلى الخبراء. والله أعلم بالحق. وهذان الفريقان (الخبراء والعرفاء) في مجموعهما يشكلان أهل الحل والعقد في الأمة وأكابر علمائها.

تنبيه آخر: ذكرت آنفا عبارة (علوم الدين وعلوم الدنيا) ، وكثيرون لا يحبون هذا التقسيم ويقولون كل ما خدم الإسلام والمسلمين من علم فهو من الدين.

ولا شك أن الإنسان يُثاب بالنية الحسنة على فعله المباحات فكيف بما هو من فروض الكفاية وقد يرتقي إلى فرض ا لعين من علوم الدنيا اللازمة للمسلمين؟ ولكن هذا لا يمنع من تقسيم العلوم إلى دينية ودنيوية فهذا التقسيم ورد بالنص عن النبي صلى الله

(1) - سورة آل عمران، الآية: 64

(2) - سورة المائدة، الآية: 51

(3) - سورة المائدة، الآية:2

(4) - (فتح الباري) ج 13 ص 169

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت