فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 187

والجهاد درجات أعظمها أن يجاهد المرء بنفسه وماله فإن خرج بنفسه ومال غيره فحسن لكن دون الأول في الدرجة وإن بذل ماله دون نفسه كان كذلك وأولى الدرجات وهو أن يخرج بنفسه وماله فلا يعود بشيء من الغنيمة فإن أصابته الشهادة فهي منزلة المنازل وأعظمها وأجلها والله يؤتي فضله من يشاء.

قوله: (مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) فإن المؤمن الذي لا يقدر على الجهاد وما كان في معناه من طلب العلم ونشره والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أفضل ما يعمله هو الاعتزال بعيدًا عن أذى الناس وإيذائهم فالعزلة خيار إيماني أضاعه الناس اليوم من أذهانهم، وغيابه من خيارات الإعمال جرّ على الناس الكثير من الباطل والإثم. والعزلة لها أحكامها العامة فهي خيار لمن لم يقدر على العمل سواء من جهة أو جهة واقعة فإن الأفضل هو العمل لقوله صلى الله عليه وسلم: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) ولكن مما خلق الله البشر أن يكون ضيق النفس أن رأى الشر يعظ في الابتداء ثم تضجر نفسه فيتحول وعظه إلى تبكيت وقسوة فهذا في قلبه النكارة والكره فهذا يخاف على دينه وإيمانه كما يخاف عليه إن يقع فيما وقعوا فهذا فيه هروبه من الناس خير له وأسلم بل قد يكون بالإعراض والعظة والتنبيه وكما قال الله تعالى: (وقد أنزلنا عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذًا مثلهم) والذي يعرف عن السابقين هو اعتزال الناس عمومًا في آخر العمر وتفرغهم للعبادة كما ذكر أهل المدينة من تفرغ للعبادة بعد الأربعين إلا من كان متكلفًا عملًا من أعمال المسلمين الواجب أداها.

وأما اعتزال بسبب الواقع والحال فإن الشر قد يعم ويمنع الخير ويحارب وتصم الآذان عن السماع والاهتداء فإن سنة الأنبياء هو الهجرة كما وقع لإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام ومعه لوط الذي آمن معه وفي الحديث أنه ما من نبي إلا وقد أخرجه قومه كما قال ورقة بن نوفل عندما علم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما عُرض عليه من قبل خديجة رضي الله عنها.

والعزيمة مراتب يشرح مراتبها الرد على الذين لا يرون إلا خيار العمل بمعصية الله وكأنه لازم للمسلم إذ نرى ونسمع الذين يسلكون سبل الباطل من الأعمال الكثيرة بحجة أن على أهل الإسلام أن يملؤوا هذه السبيل وإلا تركت للعصاة أو غير المسلمين من المشركين والمرتدين، فدومًا حين يسألون عن دينهم الذي دانوا به حتى جلسوا هذه المجالس واقترفوا هذه الأعمال أجابوا بأن أهل الإسلام إن لم يعملوها عملها أهل الباطل وهذا من باب تقليل الشر ما أمكن والحديث هنا ليس على ما يجره سلوكهم من الباطل عليهم في دينهم كما نرى من واقعهم وعلى ما يجره على دين الله تعالى في أذهان الناس وعقولهم ولكن التنبيه هنا إلى أن هؤلاء القوم جهلوا أن الواجب اعتزل الباطل فلسنا وكلاء على الناس كما الله لنبيه - (وما أنت عليهم بوكيل) - فالمطلوب هو تطبيق حكم الله تعالى أولًا والهجران الباطل - (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) -وقد أحسن من قال: إن فعل هؤلاء أشبه بمن يقول وقد رأى امرأة تريد الزنا ولابدّ، فقال: إن أزني بها أنا وأسترها من الفضيحة (من باب تقليل الشر) خير من أن يزني بها فاجر ويفضحها.

إن المؤمن الذي يتقي ربه ويريد سلامة دينه إن لم يقدر على الحق كما أمر الله تعالى به فإنه يهرب من الباطل ولا يأتيه وهذه هي سيرة السلف التي عملوها وحضوا الناس عليها، وقد سمى سفيان الثوري إتيان الباطل تحت ذرائع وهمية بخديعة إبليس، وقد صدق رحمة الله تعالى.

ولهؤلاء حجج كثيرة أغلبها تقوّل عن أهل العلم تتعلق بالموازنة بين الحق والباطل وأن تقليل الشر مطلب شرعي كما تحصيل المنفعة ومما لا ريب فيه أن هذه القواعد - الموازنات - قواعد صحيحة في وضعها العلمي لكن على ذلك تنبيهات فيها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت