1 -أنه لغلبة الهوى هذه الأيام وقلة التقوى كما هو مُشاهد فإن أي منفعة ولو كانت من باب الشهوة والتحسينات فإنها تضخم وتسبغ عليها كلمات الباطل وكأنها من ضرورات العامة والمسلمين من أجل تبريرها وإتيانها ووقع الحال وقواعد العمل يشهدان أنها شهوة خاصة ولا زيادة.
2 -ومما يزيد الأمر خطورة أن الكثير من هذه المصالح الدنيوية تصادم حق الله تعالى وخاصة ما تعلق بتوحيد الله في شرعه وأمره وأهل العلم مجمعون على أن حق الله تعالى مصلحة أعظم من كل المصالح فضرورة الدين مقدمة على كل الضرورات الأخرى كالنفس والمال والعرض والعقل ولكنك ترى هؤلاء يجزون أعمالًا شركية وكفرية مقابل تحصيل مصالح دنيوية لا تصل لدرجة الضرورة وهذا من باب الجهل والضلالة.
3 -أن دقة فقه الموازنات في أحيان كثيرة لا يهتدي إليه الفقيه الراسخ لدقته أو لتعقيد الواقع وعدم تبسيطه كما هو في واقعه العلمي ومع ذلك فإن هؤلاء يفتون للعامة وللجهلة ويوسعون الباطل شبرًا فيأخذه الجاهل ذراعًا ويجعل كلام هذا المفتي جسرًا له على جهنم فمثل هذه المسائل لا يطلق فيها القول لتغير الظروف حين يتعلق الأمر مع أمور دقيقة في تقديرها وموازنتها.
4 -ومما يشهد الانحراف هذه الفتاوى التي تطلق للعموم من باب"الموازنات"إنما هي في الأصل وضعها من قبل العلماء السابقين كانت لمن تعينت في حقه من العلماء والمقدمين وأهل الفنون والعقل والنظر ولم توضع لعموم الناس فيأخذها الناس"الرويبضة"ويزعمون أنها لهم وهم أحق بها فيفسدون أكثر مما يصلحون بل لو تركوها لأهل الباطل لكانت منهم منفعة أكثر فإن الواقع يشهد أن كثيرًا من المنافع للمسلمين تحصل على يد أهل الباطل بأكثر مما يحصله الزاعمون إتيانها تدينًا فإن هؤلاء تصبح عندهم موازنة جديدةً وهو البقاء في العمل مصلحة أي مصلحة أخرى فخوف ذهاب المنصب أو العمل يحكم ما يأتون ويذرون فلا الباطل تركوا ولا مصالح المسلمين حصلوا فعاد الأمر باطل لا خير فيه.
والمحترزات والتنبيهات على فقه"الموازنة"كثيرة وكل يوم نشهد باطلًا ينتشر وحقًا يكتم ويًستر، يمارسه المفتون به دون فقه دقيق ولا ورع يحميهم وآخذون به الفون بلا إهتمام لإيمانهم وتقواهم.
فهذا الحديث عظيم في هذا الباب لمن ابتغى حفظ دينه وطلب الفضل والرفعة وتحصيل التقوى: فإما الحق كما أمر الله تعالى والجهاد للباطل أعلاه وأرفعه، وإما الاعتزال والهجرة وهذا أسلم للمرء لدينه في الدنيا والآخرة، وأما الزاعمون أنهم قادرون على السباحة في الوحل وعندهم من التقوى ما يحمي قلوبهم ثم لم يكتفوا بالسباحة بل تضلعوا منه شبعًا وريًا فالله بصير بالقلوب وخطورتها وهو أعلم بمن اتقى.
كل هذا يقع حين تكون الموازنة بين خير وشر يشتبه أمرهما لدقة مقاومتهما في الفكر والنظر ولكن واقعنا يشهد أن القوم ... - مفتين وأتباع - تجرؤوا على الحرمات الصريحة بنصوصها فالربا والخمر وقول الباطل ولبس الإثم كل هذا صار يحل بشبه واهية تحت باب التيسير ويوسع للناس شهواتهم وأهواءهم و لا حول ولا قوة إلا بالله.
وبهذا يعلم أن أعظم ما في هذا الحديث من فقه: أن الباطل إما أن يجاهد وإما أن يعتزل والحق أن الباطل لا يرضى بعزلتك لأن إمامه هو الشيطان وقد وطن نفسه أن يهلك ابن آدم بالمعاصي بتزينها كما قال: (فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) بل سيشيد على أذقانهم حبالًا ليجرهم إلى الباطل كما قال: (أريتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا) والباطل إن لم تشغله بالجهاد شغلك"بصوته ورجله وخيله"ولذلك من أعظم طرق اتقاء الباطل هو مجاهدته.
وفي يومنا هذا يعد اعتزال الناس حتى لا تؤذيهم ويؤذونك ضربًا من العجائب لأن جند الشيطان ألزموا الناس بكل قانون