فهرس الكتاب

الصفحة 1890 من 7996

عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَرِيدَةِ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ: وَضْعُهَا، أَوْ غَرْزُهَا.

قَوْلُهُ: (وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الْأَسْلَمِيُّ، إِلَخْ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ: فِي قَبْرِهِ. وَلِلْمُسْتَمْلِي: عَلَى قَبْرِهِ. وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: أَوْصَى بُرَيْدَةُ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ، وَمَاتَ بِأَدْنَى خُرَاسَانَ. قَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ وَغَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بُرَيْدَةُ أَمَرَ أَنْ يُغْرَزَا فِي ظَاهِرِ الْقَبْرِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي وَضْعِهِ الْجَرِيدَتَيْنِ فِي الْقَبْرَيْنِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَا فِي دَاخِلِ الْقَبْرِ؛ لِمَا فِي النَّخْلَةِ مِنَ الْبَرَكَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ حَدِيثَ الْقَبْرَيْنِ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَكَأَنَّ بُرَيْدَةَ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَمْ يَرَهُ خَاصًّا بِذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَيَظْهَرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِمَا (١) . فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.

قَوْلُهُ: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْفُسْطَاطُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَبِطَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ: هُوَ الْبَيْتُ مِنَ الشَّعْرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الشَّعْرِ، وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخْرَى بِتَثْلِيثِ الْفَاءِ وبِالْمُثَنَّاتَيْنِ بَدَلَ الطَّاءَيْنِ، وَإِبْدَالِ الطَّاءِ الْأُولَى مُثَنَّاةً، وَإِدْغَامِهِمَا فِي السِّينِ وَكَسْرِ أَوَّلِهِ فِي الثَّلَاثَةِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بَيَّنَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ لَهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي عَائِشَةَ، وَعَلَيْهِ فُسْطَاطٌ مَضْرُوبٌ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، انْزِعْهُ؛ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. قَالَ الْغُلَامُ: تَضْرِبُنِي مَوْلَاتِي. قَالَ: كَلَّا. فَنَزَعَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ رَجُلٍ (٢) . قَالَ: قَدِمَتْ عَائِشَةُ ذَا طُوًى حِينَ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَرَتْ بِفُسْطَاطٍ فَضُرِبَ عَلَى قَبْرِهِ، وَوَكَّلَتْ بِهِ إِنْسَانًا وَارْتَحَلَتْ، فَقَدِمَ ابْنُ عُمَرَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ إِدْخَالِ هَذَا الْأَثَرِ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) أَيِ: ابْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ السَّبْعَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إِلَخْ. وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ سَمِعْتُ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدٍ. فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيَةِ الْقَبْرِ وَرَفْعِهِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: رَأَيْتُنِي بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ضَمِيرَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ. وَمَظْعُونٌ وَالِدُ عُثْمَانَ بِظَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ، وَمُنَاسَبَتُهُ مِنْ وَجْهِ أَنَّ وَضْعَ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ يُرْشِدُ إِلَى جَوَازِ وَضْعِ مَا يَرْتَفِعُ بِهِ ظَهْرُ الْقَبْرِ عَنِ الْأَرْضِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الَّذِي يَنْفَعُ أَصْحَابَ الْقُبُورِ هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَأَنَّ عُلُوَّ الْبِنَاءِ وَالْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِصُورَتِهِ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ بِمَعْنَاهُ إِذَا تَكَلَّمَ الْقَاعِدُونَ عَلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت