لم تنقلهم آيات الله المتلوة والمخلوقة وأقداره المحبوبة والمكروهة في هذه الدار، فأتاح لهم آيات أخر وأقضية، وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث والنجاسة التي لا تزول بغير النار، فإذا زال موجب العذاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة لا معارض له، فإن قيل هذا حق ولكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضًا كمعاصي الموحدين، أما إذا كان لازمًا كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها: قوله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} فهذا إخبار بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقتضي غير الكفر والشرك، وأنها غير قابلة للإيمان أصلًا. ومنها قوله تعالى: {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا} (الإسراء:72) ، فأخبر سبحانه أن ضلالهم وعماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، وإذا كان العمى والضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره ومقتضاه لا يفارقهم. ومنها: قوله تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (الأنفال:23) ، وهذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير ما ضيع عليهم أثره، ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضًا قوله: [أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير] ولو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين.