فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 147

وقد سمى الله سبحانه الحد عذابًا وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل لكل داء دواء يناسبه، ودواء الداء العضال يكون من أشق الأدوية، والطبيب الشفيق يكوي المريض بالنار كيًا بعد كي ليخرج منه المادة الرديئة الطارئة على الطبيعة المستقيمة وإن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه وأذاقه أشد الألم فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة مادة غريبة طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار العبد، فكيف إذا طرأ على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وإرادته؟

وإذا تأمل اللبيب شرع الرب تعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك بعضه ببعض فإن مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ورحمة وهو سبحانه الملك الحق المبين وملكه ملك رحمة وإحسان وعدل.

الوجه التاسع: إن عقوبته بعد ليست لحاجته إلى عقوبته لا لمنفعة تعود إليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة. بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص، ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة فإنه أيضًا يتنزه عن ذلك ويتعالى عنه، فإما أن يكون من تمام أوليائه وأحبابه، وإما أن يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم، أو لهذا ولهذا.

وعلى التقادير الثالث، فالتعذيب أمر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد الغايات والمراد من الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها، ونعيم أوليائه، ليس متوقفًا في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه، وهوامه ومصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار، وإن كان في أصل التعذيب مصلحة لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت