فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 188

"وكان من بواكير اللقاءات التي تمت هي دعوة الضابط عبد الناصر قائد الحركة لفضيلة الشيخ محمد فرغلي، ومعه (الشاهد على الطريق) محمد حامد أبو النصر لتناول الإفطار في منزله بمنشية البكري، وفي الساعة السادسة صباحًا الميعاد المحدد لهذا اللقاء- توجهنا إلى منزله فوجدناه في انتظارنا في حجرة الاستقبال، وبعد قليل جلس ثلاثتنا حول مائدة صغيرة أعدت بإفطار مبسط عادي، وأذكر أن دارت بيننا أحاديث بدأها الضابط عبد الناصر- من أهمها:"

-العمل على إزالة آثار العوائق التي وقعت بين قيادة الإخوان وقيادة الحركة، كما كانت مسألة إصلاح الأزهر الشريف منار الإسلام، وما يجب أن يكون عليه من كفاءة حتى يؤدي رسالته، وهنا لوح الضابط عبد الناصر بإشارات خفيفة حول إسناد مشيخة الأزهر لفضيلة الشيخ فرغلي، كما تناول الحديث إرسال بعثات إسلامية من الإخوان المسلمين إلى جنوب أفريقيا لحاجة شعوبها إلى الإسلام، وقد لاحظت على هذا اللقاء أمرين:

أحدهما: أن الدعوة كانت موجهةً لفضيلة الشيخ فرغلي ولي على اعتبار أننا جميعًا من أبناء محافظة أسيوط- وبهذا كان يريد الضابط عبد الناصر بدعوته لنا هو استقطاب إخوان أسيوط حوله.

وهذه صورة أقل ما يقال عنها إنها نعرة قبلية جاهلية..

والآخر: هو عندما طلبت دخول دورة المياه لقضاء بعض حاجتي، وأثناء خروجي، وبينما كنت أتوضأ، لاحظت الضابط عبد الناصر يدخل الدورة ويفتشها بدقة، وهذا أمر كان له وقع سيئ على نفسي إذ ظن أنني أخفيت له شيئًا ما، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على ريبته في الإخوان، وسوء ظنه بهم.

ولما انتهت الزيارة، وركبت مع أخي فضيلة الشيخ فرغلي السيارة، ذكرت له هذه الواقعة الأخيرة، فضحك كثيرًا، وقال معلقا:"أصلك أنت راجل عظيم يا عم"، وأخذ يكرر هذه العبارة، ونحن نتبادل التعليق والضحك والأسف الشديد.

ومما يذكر أن هذه الواقعة لم أذكرها لأحد في حينها، ولا يعلم بها سوى فضيلة الشيخ فرغلي، والدافع لهذا الكتمان هو تهيئة الجو لتوثيق الرابطة وجمع الشمل.

ومما هو جدير بالذكر أنه رغم وجود الروابط التي كانت تربطنا بالضابط عبد الناصر، وأولاها: رابطة الإخوة في جماعة الإخوان المسلمين، وثانيها: رابطة الانتماء إلى أسيوط حيث الموطن الذي يجمعنا، وثالثها:"رابطة الاجتماع على طعام واحد (العيش والملح) ."

ورغم هذه الروابط الثلاث القوية فقد حفظها الضابط عبد الناصر، ورعاها فأعدم فضيلة الشيخ فرغلي شنقًا- وحكم عليّ بالأشغال الشاقة المؤبدة"."

المكتب يجتمع في ظل الإرهاب ويضم إليه أعضاء بالإكراه:

وفي هذا الجو الصاخب طلب الدكتور خميس حميدة، عقد اجتماع المكتب، فاجتمع الإخوة الأستاذ عبد القادر عودة، وفضيلة الشيخ محمد فرغلي، وفضيلة الشيخ أحمد شريت، والأستاذ عمر التلمساني، والأستاذ عبد الرحمن البنا، والأستاذ صالح أبو رقيق، والشيخ عبد المعز عبد الستار، ومحمد حامد أبو النصر (الشاهد على الطريق) .

والعجيب أنه من الطبيعي أن يجتمع المكتب بأعضائه فقط، لكن الذي حدث أنه- كان معنا في هذا الاجتماع الحاج محمد جودة، والمهندس عبد السلام فهمي، والأستاذ حملي نور الدين، واقترح ضم الموجودين للمكتب، وكان هذا الإجراء غير قانوني، لكن المسألة كانت مدبرة، وقصد بها تحويل سياسة الجماعة لتحقيق أهداف الحكومة، وقع كل هذا تحت ظروف الضغط والإكراه، وقبل أن ينتهي الاجتماع اقترح الحاج محمد جودة إصدار بيان من المكتب بتأييد الاتفاقية، كما اقترح عودة الإخوان المفصولين إلى صفوف الجماعة، فما كان من الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة إلا أن ثار، وقال بصوت مرتفع:"والله لا نقرر شيئًا الآن، هي إملاء شروط والا إيه"، وانتهى الاجتماع عند هذا الحد، وأثناء خروجنا من الاجتماع انتحي بي الأخ الأستاذ عبد القادرة عودة، ناحية وأسر إلي كلامًا:"عندي إحساس أنني لن أقابلك مرة أخرى، فربما أعتقل الليلة أو باكر، وقد أوصاني فضيلة المرشد أن أسلمك ما عندي من أوراق خاصة بالجماعة"، فذهبت معه إلى مكتبه، وطلب من الأخ الأستاذ إبراهيم الطيب، أن يسلمني الأوراق، وتسلمتها منه، ثم غادرنا المكتب بعد ذلك حيث زرنا سويًّا الأخ المرحوم الأستاذ منير دلة في منزله، وقصَّ عليه ما حدث في جلسة المكتب الأخيرة، ثم زرنا فضيلة الشيخ محمد فرغلي في شقته، فذكر له إحساسه فرد عليه فضيلة الشيخ فرغلي:"وأنا سألحق بك إن شاء الله.."هكذا كانت أحاسيس القلوب الشفافة التي ترى بنور الله.

وقد صدق إحساسهما فلم أقابلهما بعدها.

ففي المساء اعتقل الأستاذ عبد القادر عودة، وفي صباح يوم السبت الرابع من ديسمبر سنة 1954 استدعينا ووضع الكلابش في أيدينا وتوجهنا في حراسة مشددة إلى مبنى المحكمة لسماع الحكم، وكان في مقدمتنا فضيلة المرشد الأستاذ حسن الهضيبي، وهناك وضعنا في حجرتين كل في مقعد ونودي على الشهداء: عبد القادر عودة- والشيخ محمد فرغلي- وإبراهيم الطيب- ويوسف طلعت- هنداوي دوير- ومحمد عبد اللطيف.

وحكم على هذه المجموعة الأولى بالإعدام شنقًا.

ثم نودي على الأساتذة: فضيلة المرشد حسن الهضيبي- الذي استبدل حكمه من الإعدام إلى المؤبد- وعبد العزيز عطية- والدكتور كمال خليفة- والدكتور حسين كمال الدين- ومنير أمين دلة- وصالح أبو رقيق- ومحمد حامد أبو النصر (الشاهد على الأحداث) ، وحكم على هذه المجموعة الثانية بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وفي ديسمبر سنة 1954 وقف الشيخ الشهيد أمام حبل المشنقة باسمًا في إقدام، فرحًا في إيمان، ساعيًا إلى شوق، مرددًا مثل من سبقوه وهم يمضون على الطريق:"إنني لمستعد للموت، فمرحبًا بلقاء الله". وصدق الله العظيم {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } (الأحزاب) (11) .

مضى الشيخ في طريقه إلى ربه يحكي سيرة المجاهدين على لسان من قال:

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي

مضى فقيرًا لا يملك شروى نقير، ولكن قلبه كان وافر الثراء، مفضلًا ما عند الله فهو خير من كل ثراء، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} (القصص: من الآية 60) (12) ، رحل عفيفًا زاهدًا، كريمًا، عزيزًا، رابط الجأش، ثابت الجنان، صافي الوجدان، ومهما قيل من كلمات أو سطر من صفحات فلن تفي الشيخ حق الوفاء (13) .

وفي مقتله يقول الأستاذ كامل الشريف:

ولقد قتل الشيخ فرغلي بعد ذلك بأيدٍ مصرية، ولعل الذين استباحوا دمه، أرادوا أن يبعدوه عن طريق مجدهم، ولو أدركوا أنهم صنعوا منه شهيدًا خالدًا، وأقاموا منه مثالًا حيًّا سيظل يهيب بالجموع الكثيرة من الإخوان، ومن طلاب الحق، ليكافحوا الباطل حيثما وجدوه، ولو أدركوا أنهم وضعوا بفعلتهم هذه اسمًا جديدًا في قائمة الأسماء اللامعة من شيوخ الإسلام المجاهدين من أمثال: ابن تيمية، وسعيد بن جبير، وعمر المختار، وحسن البنا، ولو أنهم أدركوا ذلك كله، لربما ترددوا كثيرًا في قتله رحمه الله (14) .

(1) مجلة الدعوة المصرية، السنة الأولى، العدد 3.

(2) مجلة الدعوة المصرية، السنة الأولى، عدد 3.

(3) المقاومة السرية في قناة السويس، كامل الشريف، ص 50 - 51 بتصرف.

(4) جماعة افتدت أمة، حسين حجازي، ص 73.

(5) المقاومة السرية في القناة، كامل الشريف، ص50.

(6) الدعوة المصرية، السنة الأولى، عدد 3.

(7) لعل هذا هو السر في الحكم عليهما بالإعدام في الثورة المباركة.

(8) المقاومة السرية، ص 48.

(9) مجلة الدعوة المصرية، السنة الأولى، عدد 3.

(10) المقاومة السرية، ص 49، 50.

(11) سورة الأحزاب، الآية 23.

(12) سورة القصص، الآية60 .

(13) مجلة الدعوة المصرية، السنة الأولى، عدد 3.

(14) المقاومة السرية في قناة السويس، كامل الشريف، ص 50.

ـــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت