واستمر الشدُّ والجذب بين جنرالات العلمانية تدعمهم الصحافة العلمانية والماسونية وبين حكومة الائتلاف برئاسة نجم الدين أربكان، وعندما وجد الجنرالات أن موقف الحكومة بشريكيها حزب الرفاه وحزب الوطن الأم بزعامة تانسو تشيللر لم يتضعضع أمام تهديدهم ووعيدهم، قبلوا بحًّلٍ وسط أن تُعتبر المطالب التي وردت في إنذارهم لأربكان توصيات وليست أوامر واجبة التنفيذ فورًا.
ولم يستسلم العلمانيون والماسونيون أمام فشل إنذار جنرالات العلمانية بالإطاحة بأربكان، فعمدوا إلى الكيد بحزب الرفاه ليلحقوه بغيره من الأحزاب التي أسسها أربكان، ويغلقوه كما أغلقوها، واستبقوا المكيدة بمكيدة تمكنوا بواسطتها من فرط شراكة حزب الوطن الأم بزعامة تانسو تشيللر مع الرفاه بزعامة أربكان، وأدى انفراط شراكة الحزبين إلى استقالة الحكومة في أوائل شهر يونيو من عام 1997م.
وفي 9-6-1997م تقدم المدَّعي العام بدعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية، مطالبًا بحل حزب الرفاه بتهمة العمل على تغيير النظام العلماني في تركيا.
وفي شهر يناير من عام 1997م أصدرت المحكمة الدستورية حكمًا بحل الرفاه، وبمنع أربكان وعدد من قادة الحزب من العمل السياسي لمدة خمس سنوات.
تشكيل الفضيلة:
لم يكن قرار المحكمة الدستورية بحل حزب الرفاه مفاجئًا للإسلاميين، بل كانوا يتوقعونه في أية لحظة، وكان أربكان يخطط لمواجهة هذا الموقف عند حدوثه، فوضع مشروعًا لتأسيس حزب يخلف الرفاه في حالة حلّه، واقترح اسم"حزب السعادة"للحزب المقترح.
ولما صدر قرار حلّ حزب الرفاه لم يتمكن أربكان بسبب منعه من العمل السياسي من تأسيس الحزب الجديد، فقام بتشكيله عدد من قادة الرفاه الذين لم يصدر بحقهم حكم بمنعهم من العمل السياسي، فأسسوا حزبًا جديدًا أطلقوا عليه اسم"حزب الفضيلة"برئاسة إسماعيل ألب تكين الذي تخلَّى عن زعامة الحزب لإفساح المجال أمام انتخاب رجائي قوطان رئيسًا للحزب في المؤتمر الطارئ للحزب الذي انعقد في 14-5-1998م.
وجدَّد الحزب انتخاب قوطان رئيسًا له في مؤتمره العام المنعقد في 14-5-2000م، ونال قوطان (632) صوتًا من أصوات المندوبين المشاركين في المؤتمر مقابل (521) صوتًا نالها منافسه عبدالله جول وزير الخارجية حاليًا ، وكانت هذه المنافسة أول بوادر الانشقاق الذي سيظهر فيما بعد في الصف الإسلامي على الساحة الحزبية التركية.
تهديدات جديدة:
وكعادتهم، سارع العلمانيون والماسونيون للكيد لحزب الفضيلة ليلحقوه بمن سبقه من الأحزاب ذات التوجه الإسلامي فيغلقوه كما أغلقوها، فشنُّوا عليه حملة تحريض عبَّرت عنها أبلغ تعبير وكالة أنباء رويترز في تعليقٍ لها على الأوضاع في تركيا بثَّته في 13-10-1998م قالت فيه حرفيًا:"منذ شهر يناير الماضي (1997م) عندما حظرت المحكمة الدستورية حزب الرفاه، أمطر المدَّعون العامُّون العلمانيون زخَّات الاتهامات ضد شخصيات إسلامية بارزة في حزب الفضيلة الذي تشكل بعد إغلاق حزب الرفاه بدعوى تهديدهم للنظام الرسمي العلماني".
وجاء تعليق"رويترز"بمناسبة قيام المدَّعي العام باستجواب رئيس حزب الفضيلة رجائي قوطان بتهمة معاداة العلمانية.
وصعَّد العلمانيون والماسونيون حملتهم ضد حزب الفضيلة الذي كان لا يزال قوة برلمانية تضم حوالي (110) نواب كانوا يشكلون الكتلة النيابية لحزب الرفاه قبل حلِّه، وتوزعت الحملة العلمانية الماسونية على أكثر من اتجاه: فمن ملاحقات قضائية، إلى تهديدات من جنرالات العلمانية، إلى مضايقات وملاحقات حكومية من الحكومة التي أصبح على رأسها بولنت أجاويد المعروف بعدائه للإسلاميين، إلى حملة إعلامية تشهيرية في الصحافة العلمانية والماسونية.
جنرالات العلمانية يُجهِضونَ قانونًا يمكِّن أربكان من العودة للعمل السياسي:
في محاولتهم لإلحاق حزب الفضيلة بما سبقه من الأحزاب الإسلامية عن طريق حلِّه، شدَّد العلمانيون والماسونيون حملاتهم التشهيرية ضد حزب الفضيلة وزعيمه أربكان.
وهذه نماذج من صنوف حملة العلمانيين والماسونيين ضد حزب"الفضيلة":
-في 30-11-1998م حذَّر رئيس الحكومة التركي بولنت أجاويد من خطر قيام حكومة إسلامية في تركيا.
-في 10-1-1999م أصدر جنرالات العلمانية تقريرًا من (14) صفحة يتَّهم حزب الفضيلة ومن أسماهم ب (الرجعيين) بتهديد الديموقراطية في تركيا، ويحذِّر الحزب من معاداة العلمانية.
-في 19-3-1999م حذَّر رئيس هيئة أركان الجيش التركي الجنرال حسين كيوريك أوغلو من محاولة نواب حزب الفضيلة تعديل القوانين لصالح رفع حظر العمل السياسي عن أربكان وإخوانه من قادة"حزب الرفاه"المنحل.
-في 5-9-1999م صرَّح الجنرال حسين كيوريك أوغلو بأن الجيش سيواصل المعركة مع الإسلاميين الأصوليين لمدة ألف عام إذا لزم الأمر!
في 4-2-1999م وجَّه رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد توجيهات إلى المدَّعين العامين والمحافظين وقوى الأمن في جميع أنحاء تركيا لملاحقة"الرجعيين"الذين يستغلون الدين في السياسة.
-ووصفت صحيفة"صباح"العلمانية خطوة أجاويد بأنها لطمة قوية"للرجعيين".
-في 11-2-2000م طردت وزارة التربية"300"معلمة من مدارسها رفضن خلع الحجاب بموجب القانون الذي حظر ارتداءه في المدارس والجامعات والوزارات والدوائر الرسمية.
-في 21-9-1999م جرَّدت محكمة تركية النائبة عن حزب الفضيلة مروة قاوقجي من جنسيتها التركية بسبب تحدِّيها للقوانين العلمانية، ولدخولها إلى قاعة مجلس النواب مرتدية الحجاب الإسلامي.
منع أربكان من العمل السياسي:
حرص العلمانيون على تشديد حصارهم حول البروفيسور نجم الدين أربكان، ولم يكتفوا بالحكم الصادر من قبل بمنعه من العمل السياسي، فقد كان العلمانيون والماسونيون يحسبون مليون حساب لعودة أربكان لممارسة العمل السياسي، لما له من قدرةٍ فائقة على استقطاب الجماهير، ولذلك حرصوا على إبقائه بعيدًا عن الساحة السياسية، ففي 5-7-2000م أكدت محكمة التمييز حكمًا كانت قد أصدرته محكمة أمن الدولة في مدينة"ديار بكر"بالسجن لمدة عام لأربكان بتهمة التحريض على الكراهية الدينية والعرقية، وحرمانه من العمل السياسي مدى الحياة، واستندت المحكمة في حكمها إلى خطاب قديم كان أربكان قد ألقاه في مهرجان انتخابي في عام 1994م.
وفي اليوم التالي 6-7-2000م أصدرت المحكمة الدستورية قرارًا بحرمان أربكان من العمل السياسي مدى الحياة بعد تأكيد محكمة التمييز لحكم محكمة أمن الدولة في ديار بكر.
حظر الفضيلة:
في 22-6-2001م أصدرت المحكمة الدستورية قرارها بحل حزب الفضيلة وعلَّلت قرارها بأن الحزب ارتكب هده المخالفات:
-أنه امتداد لحزب الرفاه المنحل بحكم قضائي، والدستور التركي بحظر تشكيل حزب جديد بدلًا من آخر تمَّ حلّه.
-أصبح حزب الفضيلة بؤرةً للنشاط ضد العلمانية.
-تجرأت النائبة عن الحزب مروة قاوقجي على تحدِّي القوانين العلمانية بدخولها مجلس النواب وهي ترتدي الحجاب، وقام أعضاء الحزب بتشجيعها بالتصفيق لها.
-قام نواب الحزب بالاحتجاج على قانون منع ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والوزارات والدوائر الحكومية وحرَّضوا الشعب ضد القرار.
-أصدر الحزب كتابًا يدافع عن حق مروه قاوقجي في تحدي قوانين الدولة العلمانية.
انقسام الإسلاميين:
بعد صدور قرار المحكمة الدستورية بحلِّ حزب الفضيلة تشكل حزبان جديدان على أنقاضه: الأول حزب السعادة بزعامة رجائي قوطان رئيس حزب الفضيلة المنحل، والثاني حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيِّب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول وعبد الله غول منافس قوطان على زعامة حزب الفضيلة في المؤتمر العام للحزب المنعقد في 14-5-2000
وتوزع نواب حزب الفضيلة على الحزبين فانحاز (51) نائبًا لحزب العدالة والتنمية، وانحاز (48) نائبًا لحزب السعادة وصدر حكم قضائي بإسقاط عضوية عدد من نواب الحزب.
وعندما أجريت الانتخابات النيابية في 3-11-2002م لم يتمكن حزب السعادة من دخول المجلس النيابي بسبب فشلة في الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين، واكتسح حزب العدالة والتنمية الانتخابات فحصل على (363) مقعدًا من (550) مقعدًا هي مقاعد المجلس.
ومن المؤسف أن حكمًا جديدًا صدر ضد البروفيسور نجم الدين أربكان بالسجن وأيدت هذا الحكم المحكمة العليا في عهد حكومة السيد رجب طيِّب أردوغان الذي تتلمذ على يد البروفيسور أربكان في حزب الرفاة ثم في حزب الفضيلة.
من المستفيد؟
لم يعد سرًا أن الحملة التي مافتئ يتعرض لها البروفيسور نجم الدين أربكان منذ انخراطه في النشاط الصناعي ثم السياسي في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم تقف وراءها جهات عديدة لها مصلحة في تغييب أربكان عن الساحة السياسية في تركيا، ونستطيع من غير تردد أن نكتشف أن المستفيد الأول من إقصاء أربكان هم أعداء المشروع الإسلامي بشكل عام، والمتضررون من استعادة تركيا لهويتها الإسلامية بشكل خاص، وهؤلاء لم يعودوا يخْفَونَ على أحد، إنهم اليهود وواجهتهم السياسية الصهيونية العالمية، وإفرازاتهم في تركيا من يهود الدونمه والمحافل الماسونية والصحافة العلمانية والمرتزقة العلمانيون، ومن بعد هؤلاء يأتي حلفاء اليهود من أمريكان وأوروبيين متصهينين.
فهؤلاء جميعًا وجدوا، وما فتئوا يجدون في أربكان خطرًا على مخططاتهم لإبقاء تركيا منسلخة عن جذورها الإسلامية، مثلما يرون في أربكان خطرًا على وجود تنظيماتهم، ومحافلهم السريَّة، وصحافتهم المتصهينة، ومؤسساتهم الاقتصادية والمالية الخانقة لقدرات الشعب التركي والمتحكمة في لقمة عيشه.
وهؤلاء لا ينسون ولن ينسوا مواقف أربكان والأحزاب التي أسَّسها في المجاهرة بعدائهم للصهيونية وللمحافل الماسونية وللمخططات الأمريكية للسيطرة على ثروات الأمة الإسلامية.
إنَّه نجم الدين أربكان الذي شهدت العلاقات التركية العربية أول عملية تقارب حقيقي يوم أن كان نائبًا لرئيس وزراء تركيا ثم رئيسًا لوزرائها، فقد كان أول شرط له للدخول في ائتلاف حكومي مع حزب العدالة أولًا ثم حزب الشعب الجمهوري ثانيًا، ثم مع حزب الوطن الأم ثالثًا أن تُعطى العلاقات العربية التركية أهمية خاصة بحكم ما يربط العرب والأتراك من وشيجة الدين والعقيدة.
إنَّه نجم الدين أربكان الذي قدَّم في شهر أغسطس من عام 1980م مشروع قانون إلى مجلس النواب التركي يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني.
إنَّه نجم الدين أربكان الذي أصرَّ على أن تصدر الحكومة التركية احتجاجًا رسميًا ضد إقدام (إسرائيل) على إعلان ضم القدس العربية إلى الكيان الصهيوني وإعلانها عاصمة ل (إسرائيل) .
إنَّه نجم الدين أربكان الذي قدَّم اقتراحًا بحجب الثقة عن وزير الخارجية التركي آنذاك خير الدين أركمان بسبب سياسته المؤيِّدة للكيان الصهيوني، والمعادية للعرب، وقد نجح أربكان وحزبه في طرد أركمان من وزارة الخارجية التركية.
إنَّه نجم الدين أربكان الذي كانت ترتفع في كل المهرجانات التي كانت تقيمها الأحزاب التي أسسها هتافات (كهرواولسون إسرائيل) تسقط إسرائيل إلى عنان السماء.
إنَّه نجم الدين أربكان الذي حاول أثناء رئاسته للحكومة إغلاق المحافل الماسونية وأندية الليونز والروتاري الماسونية.
إنَّه نجم الدين أربكان، محامي فلسطين في تركيا، الذي كان يقول دائمًا:
"إن فلسطين ليست للفلسطينيين وحدهم، و لا للعرب وحدهم، و إنما للمسلمين جميعًا".
إنه نجم الدين أربكان، الذي قاد نصف مليون تركي غاضب في مدينة قونية في شهر أغسطس من عام 1980م، يتقدمهم مجسَّمٌ ضخمٌ لقبَّة الصخرة المشرَّفة، يعلنون تضامنهم مع إخوانهم أهل فلسطين، ويطالبون بقطع جميع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الكيان الصهيوني، وكانت هذه المظاهرة من أجل فلسطين سببًا في قيام جنرالات العلمانية بانقلاب عسكري وسجن أربكان، ومنع النشاط الإسلامي في تركيا.
إنه نجم الدين أربكان الذي طالب نواب حزبه (حزب السلامة) في 27-3-1974م تحت قبة البرلمان، ولأول مرة في تاريخها بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها.
نقلا عن مجلة المجتمع الكويتية في أربعة أعداد 1936 وما بعدها..
ـــــــــــــــ