وما شاهده وسمعه من إطراء علم الدين قيصر لعمه رشيد الدين لشدة ذكائه واستيعابه، وقدرته على التحصيل، حيث كان يدرس عليه علم الحياة (علم البحث عن أحوال الأجرام السماوية) فأنجز منها بين يديه في نحو شهر ما يتعلمه غيره في خمس سنين!!
إلا أن معظم مشاهداته وأهمها وأوفرها كان قد أورده في كتابه"التجارب والفوائد"يتبع ابن أبي أصيبعة في الترجمة أسلوبًا نمطيًا واحدًا وقد تمتد الترجمة على عدة صفحات تتراوح بين العشرة الواحدة إلى العشرات الأربع إلا أن ترجمات أخرى قد تتضاءل إلى أن تغدو من بضعة أسطر.
يتناول في الترجمة الواحدة جوانب كثيرة من حياة المترجم له تتضمن كلامًا كليًا حول أخباره -مكانته وفضله، تعمقه الصنعة- عصره ومعاصروه، موطنه ومسكنه، تحصيله ومعلموه، ثقافته، نبذ من آرائه، صفته وأخلاقه، عاداته ونوادره، علاقاته بأصحابه وأعلام عصره ممن كان في خدمتهم أو خدم معهم، والأماكن التي خدم فيها، ثم أخيرًا مصنفاته وإنتاجه لم يلتزم ذكر الاسم كاملًا (الاسم الكنية اللقب) ولا تاريخ المولد والوفاة، بعض العناصر المتقدم ذكرها قد ترد في بعض الترجمات كاملة، وقد يغيب عنصر أو عناصر في ترجمات بعضهم الآخر، وقد يجري التركيز على عنصر فيتوسع فيه عند واحد، دون سائر العناصر ولا يخلو الأمر من بعض الاستطرادات والخواطر والشعر.
وهو محقق لا يقبل الكلام على علاته، بل يناقش ويثبت وينفي، ويعارض ويقابل ويحتاط، ويتحفظ ويفحص، وعلى الرغم من اعتماده أساسًا على المنقول فإنه شديد الانتباه إلى ما يقع أحيانًا من تناقض في نقل خبر من جهتين مختلفتين ويرد هذا إلى النساخ أحيانًا (12) .