والحق أن ابن سيده كان ينقب في كل موضوع من موضوعاته عن أحسن كتاب أو كتب أُلِّفتْ في هذا الموضوع، وأغزرها مادة ثم يجعلها عماده، ويكملها بما يعثر عليه في المراجع الأخرى، ولما كان المؤلِّف يغلب عليه الميل إلى النحو فقد كانت كثير من المواد التي زادها في أبوابه من الإعرابيات والصرفيات، ولذلك فقد بدت على مؤلفاته الصبغة النحوية، حتى إننا وجدنا عنده أبوابًا نحوية خالصة. ( [14] )
أما علاقة ابن سيده بالفارسي فقد بدأت حين وصلت كتب أبي علي إلى الأندلس في وقت مبكر عن طريق أبي العلاء صاعد بن الحسن ( [15] ) ، وقد ذكر ابن سيده صراحة في مقدمة كتبه أنه استفاد من كتب أبي علي إذ أشار إلى أنه استعمل الإيضاح والحجة والأغفال والحلبيات والبغداديات والشيرازيات ( [16] ) ، وقد وقفت على نص لابن سيده ينطق بأنه قدا ستفاد من علم أبي علي، وذلك في مفتتح كتاب الأضداد، فبعد أن نقل كلام سيبويه في اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين قال:"وأنا أشرح ذلك كله فصلًا فصلًا إن شاء الله تعالى، وأتحرى فيه.... ما سقط إليَّ من تعليل أبي علي الفارسي" ( [17] ) .
وابن سيده يجلّ الفارسي ويقدر له احتكامه إلى الحكم العقلي فقد قال فيه:"يفسر أبو علي المنطق بالفكر" ( [18] ) . وهو لذلك يحذو حذوه في تصريف الكلمات حين يعتبر نوع اللام مسترشدًا بحركة الفاء، ففي كلامه على (( الأُثفيّة ) )قال: يجوز أن يكون من يثفوه أو من يثفيه، ويرجح أن يكون من الواو لقولهم: جاء يثِفُه لأن الياء لا تحذف في مثل هذا ولا يلتفت إلى (( يَئِسُ ) )لقلته،"وهذا من أقوى ماكان أبو علي يروم به حقيقة التصريف، أعني أن يعتبر بالفاءِ اللامَ" ( [19] ) .