وقد تعقب اللحياني أيضًا في نوادره ذاكرًا قول ابن جني:"ذاكرت بنوادر اللحياني شيخنا أبا علي فرأيته غير راض بها" ( [32] ) . وقال أيضًا:"كان الفارسي يرد حكاية اللحياني لأنه لا يعجبه نقله" ( [33] ) ، وعلى الرغم من تعظيمه لأبي زيد ونوادره فقد اعتمد قول الفارسي فيه:"كان أبو زيد يتسع في اللغات حتى ربما جاء بالشيء الضعيف فيجريه مجرى القوي" ( [34] ) ، وراح يخطئه.
وما يعنينا من هذا الكلام أن ابن سيده كالفارسي كان يخضع كل ما يسمع لحكمه العقلي بعد أن يناقشه ليرى فيه رأيه، ولا يمنعه تقديره للقديم والموروث من النقد وإبداء الرأي والتعقب والتخطئة. ولكنه كان في الوقت نفسه كثير التحرز في تخطئة الفارسي، فقد ذكر (( اليعسوبة ) )ورواه عن الفارسي وقال: هكذا وجدتها في التذكرة بالهاء فلا أدري أهو ضبطه أم هو غلط من الناقل؟" ( [35] ) وقد يكون تعقبه للفارسي من باب التوجيه والتمثيل وليس من باب التخطئة، فقد حكى كلام أبي علي في أن"الظّلال يحتمل أن يكون جمع ظُلّة كعُلبة وعُلب وعِلاب، ويحتمل أن يكون جمع ظلّ، ثم قال فيه:"يجوز أن يكون جمع ظُلَّة أولى لأن الظلال ليس بجوهر ولا بشبيه الجوهر فيتضمن شيئًا، والظُلة كالوعاء فهي أولى بالتضمين" ( [36] ) . وابن سيده حذر في تخطئة ابن جني أيضًا، فقد ذكر عن أبي الفتح أن (( سجعًا ) )تجمع على (( سجوع ) )ولما رآه غريبًا، قال:"فلا أدري أرواه أم ارتجله؟" ( [37] ) .