ومنهج ابن سيده في تعامله والإرث النحوي في مؤلفاته، يقوم على التخفّف من ذكر المسائل القياسية المطردة التي تكررت في كتب النحو قبله، وعلى التنبيه على أمور أخرى شاذّة، وعلى التمييز بين الأمور المتشابهات، التي قد يقع فيها الغلط، وقد ذكر كل ذلك حين بيَّن منهجه ووضَّحه فقال عن كتابه المحكم:"ومن طريف اختصاره ورائق بديع نظم تِقصاره، أني إذا ذكرت مِفعلًا لم أذكر مِفْعالًا لعلمي أن كل مِفعل مقصور عن مِفعال، على ما ذهب إليه الخليل". ( [38] ) ومنه أيضًا أنه لا يذكر افعالّ إذا ذكر افعلّ من الألوان لأن كل افعلّ عند سيبويه محذوفة من افعالّ، لإيثار التخفيف، أما التنبيه عنده فموجّه للشاذّ:"ومنه التنبيه على شاذ النسب والجمع والتصغير والمصادر والأفعال". ( [39] )
وابن سيده يعتمد رواية الفارسي ويقرها، فقد حكى عنه أن الفاء معناها الافتراق لكنها تأتي بمعنى الواو في البلدان نحو قولهم:"أصاب المطر كذا فكذا" ( [40] ) . وقد روى عنه (( تجذو ) )على أنها لغة في (( تجثو ) )، وقال: إن أبا عبيد كان يؤوله على إبدال الذال من الثاء ( [41] ) . وهو يثق بأبي علي وبما يحكيه فيعتمد روايته فيما حكاه من أن الأصمعي كان يأبى"شتان مابين زيد وعمرو" ( [42] ) . وهو يروي عنه ما حكاه عن أبي زيد من قولهم في جمع التكسير (( رائح، وَرَوحٌ ) )كقولهم: (( عازب، وعَزيب وقاطن وقطين ) ) ( [43] ) .
وقد يقوي رأي الفارسي على غيره من النحاة، وعدّته في التقوية ما سمع عن العرب، فقد رأى أبو علي أن النون حرف يشابه الياء والواو والألف من غير جهة، ولذلك أُبدلت النون من الواو في قولهم:"صنعاني في الإضافة إلى صنعاء"، وأوضح ابن سيده كلام الفارسي مقويًا حكمه معتمدًا ما سُمِعَ عن العرب، فقال:"لا تكون النون بدلًا من الهمزة"فلم نر النون أُبدلت منها الهمزة، ورأيناها أبدل منها الموافق للواو، وهو الألف في قولهم:"رأيت زيدًا، وإذا في الوقف على إذًا". ( [44] ) .