فإذا سمع عن الفارسي شيئًا لم يُرضه دافع عنه، من هذا أنه حكى عن الفارسي قول العرب هيهات هيهات وقال شبّهه بالأصوات كقولهم: غاقٍ في حكاية صوت الغراب، ومن قال هيهاتًا نصبه على التشبيه بالمصدر، وأضاف بعد ذلك:"ولا أظن هذا لفظ أبي علي. ( [45] ) وهو قد يروي سماعًا عن العرب لم يحكه أبو علي ممّا يُعدّ شاذًا، من هذا أنه روى قول العرب:"لعلَّتَ بإيراد (( لعل ) )مؤنثة بالتاء، وقال:"إنهم لم يبدلوها هاءً في الوقف كما لم يبدلوها في (ربّت وثَمَّتَ) ، لأنه ليس للحرف قوة الاسم وتصرفه" ( [46] ) .
ولعل مصادر السماع تكتسب أهمية خاصة في بحوث ابن سيده، وذلك لأن كتابيه الكبيرين معجمان في أصلهما، وهما يجمعان مواد اللغة، فهما بالضرورة سماعيان، ولقد كان ابن سيده يدرك هذا ويعرفه بجلاء، لذا فإنه أكثر من الحديث عن الشاذ والنادر وعمّا يقتصر فيه على السماع.
أما الاحتجاج وهو توظيف المادة المسموعة لخدمة القاعدة النحوية فهذا ملمح لم يتضح بجلاء عند ابن سيده في المجال النحوي أو اللغوي، وذلك لأنه كان مسبوقًا في كل ما رواه، وهو لم يهدف في كتابيه إلى تأصيل وجه نحوي أو قانون لغوي بل كان ـ كما تقدم من قوله ـ يهدف إلى الجمع والترتيب وإضاءة هذا الكلام المجموع ببعض من الملاحظات النحوية التي يقتضيها السياق الكلامي. ولكنه مع ذلك كان يروي ما احتج به الفارسي من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والكلام العربي والشعر. فقد روى عنه ما أنشده من قول الشاعر عبد يغوث بن وقاص:
وتضحكُ منّي شيخةٌ عبشمّيةٌ
كأنْ لم تريْ قبلي أسيرًا يمانيا ( [47] )
وقال:"وروي البيت: كأن لم ترى قبلي، وزعم ذلك أبو علي الفارسي وعلل الروايتين". ( [48] )