ولكن استقصاء ابن سيده للكلام العربي شعرًا ونثرًا وللقراءات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة يظل أمرًا علينا أن نقدره حق قدره، ولا نغمط جامعه حقه فالمخصص والمحكم موسوعتان لغويتان تجمعان الكلام العربي على تعدد ألوانه، وتضمان في ثناياهما عددًا كبيرًا من كتب التراث الذي تشكّل كتب أبي علي جزءًا هامًا منها. ( [54] )
ومع هذا الإجلال للسماع لم يكن ابن سيده يلغي القياس أو ينقص قدره، فقد تأثر بالفارسي في إدراك أهميته، فاتّخذ عنده صورًا كثيرة كالقياس على النظير والضدّ وعلى الشائع والمطرد. وقد أجاز القياس وإن لم يرد به سماع في الضرورة الشعرية متبعًا بذلك مذهب الفارسي، فالشاعر إذا اضطرَّ جاز له أن ينطق بما يبيحه القياس، وإن لم يرد به سماع ( [55] ) . وقد جعل لكل ما أورد من الأقيسة عللًا وجدنا مثلها عند الفارسي كعلة الفرق ( [56] ) وعلة الاستغناء ( [57] ) وعلة الأولى ( [58] ) .
وهو قد يستفيد من علل الفارسي، فقد نقل عنه أن التأنيث يغلب التذكير في الأيام والليالي على خلاف المعروف من غلبة التذكير على التأنيث في الحالة العامة، وعلة ذلك أن ابتداءَ الأيامِ الليالي لأن دخول الشهر يكون برؤية الهلال في أول الشهر، فـ"الهلال يُرى في أول الليل فتصير الليلة مع اليوم الذي بعدها يومًا في حساب أيام الشهر، والليلة هي السابقة فجرى الحكم لها في اللفظ فإذا أبهمتَ ولم تذكر الأيام ولا الليالي جرى اللفظ على التأنيث" ( [59] ) . فإذا ما وجد لأبي علي رأيًا خالف فيه غيره ارتضى ما رآه الفارسي ونقل عنه علته في مخالفة غيره وهو يصرح بذلك قائلًا:"أنا مورد ما صح عن أبي علي في تعليل هذه الكلمة، ورده فيها على أبي إسحاق إبراهيم بن السري" ( [60] ) . وذلك في كلامه على رواية من قال:"أيهات في هيهات".