إن هذه اللمحات التفصيلية الدقيقة سمة من سمات البحث اللغوي النحوي عند ابن سيده إذ يبتدعها فكره اللغوي أحيانًا أو يستفيد من كلام أبي علي الفارسي في كلامه التنظيري عليها، فالكلمات التي تقال بالهمزة مرة وبالواو أخرى على ضربين: اطرادي وسماعي، وقد قال فيها:"وأنا أبين ذلك بما سقط إلي من تعليل أبي علي رحمه الله". ( [74] ) وابن سيده كالفارسي يورد وجهات النظر المختلفة ويوازن بينها مجرحًا ومرجحًا حتى يقر على رأي ( [75] ) ، ولكنه في أحيان كثيرة يكتفي بالعرض فقط دون ترجيح ( [76] ) ، فتختفي بذلك شخصيته، فقد نقل عن الفارسي قول ثعلب: ضغَنْتُ إلى القوم أضغَنُ ضَغنًا، جلستُ وأضاف: قال أبو عبيدة: معناه جئتُ إليهم حتى أجلس معهم ( [77] ) . دون أن يبين رأيه فيما روى، وإذا أبدى الفارسي حيرة في أمر تابعه ابن سيده ناقلًا كلامه دون تعليق، فقد روى عنه:"وقد رأيت جِلْسًا في الشعر لا أدري ألغة أم ضرورة؟ لأنهم مما يعيدون جميع المصادر الثلاثية في الشعر إلى فِعْلٍ إذا اضطروا" ( [78] ) . ولا يبدي ابن سيده تعليقًا على هذا الكلام. وهويحتكم إلى المعنى في بعض تأملاته اللغوية، ويستند إلى التحليل المنطقي الفكري، فالكاف يجب أن يحكم بزيادتها في الآية الكريمة: (ليس كمثِلِهِ شَيءٌ) ( [79] ) بدلالة المعنى، وقد قال في ذلك: لابد من الاعتقاد بزيادة الكاف ليصح المعنى، لأنك إن لم تعتقد ذلك أثبتَّ له ـ عزَّ اسمه ـ مثلًا، وزعمت أنه ليس كالذي هو مثله شيء، فيفسد هذا من وجهين: أحدهما مافيه من إثبات المثل لمن لا مثل له، والآخر أن الشيء إذا ثَبَّتَّ له مثلًا فهو مثل مثله، لأن الشيء إذا ماثله شيء فهو أيضًا مماثل لما قبله. ( [80] )