الصفحة 45 من 52

وقد يختلف قولا ابن سيده في المسألة الواحدة إلى حد التناقض ( [81] ) ، وإنا نرى في كلامه تكرارًا يبعث على الملل، فهو يعيد عبارات بأعيانها منقولة من كتب سيبويه والفارسي في كل مكان يرد فيه شاهد على الفكرة التي تتضمنها تلك العبارة فقد نقل كلام أبي علي على (( هلّم) وعلى حيّهل بحروفه ( [82] ) . ، ولكنا نجد مما يُحمد له أنه كان حريصًا على إيراد النوادر واللهجات واستقصائها بشكل قلَّ أن نال الاهتمام اللازم من النحاة قبله ( [83] ) .

وإذا بحثنا في كتب ابن سيده عن منهج التزمه في تصنيفه من الناحية النحوية فإنَّا لن نجد عنده ذلك المنهج الذي يستقصي كل شيء نحوي ويجمعه في بابه، بل سنرى المعلومات النحوية متناثرة يقولها مستعرضًا الآراء فيها حين تدعو الحاجة إلى ذلك، فهو لغوي أولًا، وماكان خوضه في الإعراب والصرف إلا لخدمة اللغة وتوضيح ألفاظها بغية الوصول إلى الكلام الفسيح الصحيح. ولكن مصنفاته برغم ذلك لا تخلو من البسط النظري أحيانًا، فقد أفرد بابًا للحديث عن حروف المعاني، وأتبعه بحديث عن حمل بعض حروف الجر على بعضها الآخر، وكلامه في هذا الباب يترجّح بين التفصيل والإيجاز، فقد تحدث عن الواو حديثًا مفصلًا فذكر أنها إذا لم تكن بدلًا من الحرف الجار لزمتها الدلالة على الإتباع، ورأى أنها تجيء على ضربين: أحدهما أن تدل على الاجتماع متعرية من معنى العطف، والآخر أن تأتي عاطفة تدل على الاجتماع، وأتى لكل من هذين الضربين بأمثلة وشواهد ثم ذكر أهم أحكامها ( [84] ) ، أما (( لن ) )فلم يزد على أن معناها نفي المستقبل ( [85] ) .

وهو يردف كلامه النظري بالبحث التطبيقي الذي يلائمه، ففي تعليقه على قول ساعدة بن جؤّية:

فَورَّكَ لَينًا لا يُثمثَم نصلُهُ

إذا صاب أوساطَ العظامِ صميمُ ( [86] )

أشار إلى أن (( يثمثم) معناه يحبس وذلك لأن معنى (( ثم ) )المهلة والتباطؤ عن رتبة الشيء، لأن احتباس الشيء وإبطاءه بمعنى ( [87] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت