المأزق الأمريكي
د. أكرم حجازي
قبل الهجوم الأمريكي على إمارة أفغانستان طالبت الولايات المتحدة بتسليم بن لادن لها باعتباره مسؤولا عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولم تكن موافقة طالبان على المطلب الأمريكي ليعني، بأي حال، استمرار نظام الإمارة وتوجهاتها ولا السماح باستمرار نشاط القاعدة دون بن لادن. فالأمريكيون، بحسب الملا محمد عمر، سعوا لإسقاط الإمارة منذ إعلانها، ولو لم يكن حدث 11 سبتمبر مبررا قويا لسعوا لإيجاده. كما أن الأمريكيين كانوا موقنين، أيضا، بأن مطلبهم ليس سوى تعلة لغزو البلاد، وعليه فقد ذهبوا إلى المعارضين للإمارة وخيّروهم بين التعاون معهم لإسقاط الإمارة وإعادة إعمار البلاد أو الوقوف إلى جانب طالبان وخسارة كل شيء.
وعلى شدة الهجوم الأمريكي والمجازر الفظيعة التي ارتكبت في أفغانستان ما كان لأحد أن يتوقع قيامة لطالبان أو القاعدة وهما وسط أهوال من الركام التي طمرتهما تحت أشد الأسلحة الأمريكية تدميرا وفتكا. فما تعرضت له الجماعتان كان كافيا لاختفائهما عن وجه الأرض لألف سنة قادمة. ولو أصيبت جماعة أخرى ما أصاب طالبان والقاعدة لما قامت لها قيامة أبد الدهر.
لكن مع مضي سنوات الحرب الطاحنة كانت الاستراتيجية الأمريكية تتآكل كلما تبين أن طالبان تتضخم ويثمر جهادها ابنة شرعية هي طالبان الباكستانية ونفوذ واسع النطاق، حينها أدرك الأمريكيون أن استمرار تراجع قوات الناتو في أفغانستان سيعني بالنهاية سيطرة طالبان والقاعدة، وهذا لن يهدد المنطقة برمتها وفي مقدمتها باكستان فحسب بل سيكون وبالا على الغرب. لهذا أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجية جديدة في المنطقة لوقف الزحف الطالباني وتأمين المنطقة. والسؤال: لماذا تبدو باكستان بعد كل هذه الخدمات تحت المطرقة الأمريكية والتهديد بتفكيكها؟ وفي المقابل تبدو الولايات المتحدة مضطرة إلى الاستعانة بإيران بصورة غير مسبوقة وهي التي فضلت احتكار الملف الأفغاني منذ احتلال البلاد؟ ما الذي لم تقدمه باكستان ويمكن أن تقدمه إيران؟