معها إلا بموجب المصالح المتبادلة. ولكل شيء ثمنه. هذا ما فعله الروس بعد إغلاق قيرغيستان للقاعدة الأمريكية في أصعب الظروف كي يضطر الأمريكيون إلى التفاوض مع موسكو، وهذا ما يفعله الإيرانيون اليوم معها فيما يتعلق بأفغانستان. فهم يسعون إلى تحقيق أقصى المكاسب لقاء ما يقدمونه من خدمات سواء في مستوى استعداد الرئيس الأمريكي لفتح حوار بين البلدين لـ:"إنهاء ثلاثون عاما من الشقاق الدبلوماسي الظاهري"وعودة العلاقات بين البلدين أو فيما يتعلق بتنازلات حول البرنامج النووي الإيراني تقضي بالسماح لإيران بعمليات تخصيب منخفض التركيز لليورانيوم.
العجيب أن في أفغانستان ما يقارب الـ80 جهاز استخبارات تعمل ضد طالبان والقاعدة والقوى الجهادية، وإذا كانت هذه الأجهزة بكل ما تمتلكه من دعم لوجستي قد فشلت في قراءة الواقع الميداني على امتداد سنوات الحرب، فما الذي يمكن أن تقدمه إيران بخبراتها الأمنية ولم تفعله خلال السنوات الماضية؟ وما الذي يريده الأمريكيون من الإيرانيين؟ ولماذا يتطلعون إلى الدور الإيراني وكأنه المنقذ؟
-الأرجح أن الأمر يتعلق باستثمار الرغبة الإيرانية والمعطى الطائفي في أفغانستان. ففي هذا السياق يمكن أن يكون للتدخل الإيراني فاعليته، فمن جهة لم تظهر طالبان أي عداء طائفي للشيعة في أفغانستان خلال سنوات الصراع إلا فيما يتعلق بالتعامل مع الاحتلال وعزل العملاء منهم أو محاصرتهم، لكن إذا ما تدخلت إيران في هذا السياق فقد تعيث في البلاد فسادا عظيما لا يقل عما فعلته في العراق. ولعل تعيين الجنرال ديفيد بتريوس قائدا للقيادة العسكرية الأمريكية الوسطى لم يكن ضربا من الهوى. فالرجل كان صريحا أكثر من غيره حين قال بالحرف الواحد أمام مؤتمر نظمه المعهد الأمريكي للسلام:"إن الولايات المتحدة وحلفاءها لهم مصالح مشتركة مع إيران الشيعية ضد السنة في أفغانستان". وأوضح بأن إيران التي يهيمن عليها الشيعة لا تريد عودة حكم طالبان السني. وقال لصحفيين في المؤتمر:"إنهم لا يريدون أن يروا أفغانستان في قبضة قوات سنية متطرفة ... تمامًا مثلنا". لذا فإن بتريوس يقترح على السياسيين في بلده مبدأ موازنة المصالح فيقول:"إن الأمر يرجع إلى رجال السياسة ليزنوا المصالح المشتركة هناك مقابل نزاعات رئيسية بين واشنطن وطهران فيما يتعلق بقضايا أخرى".
-يمكن اعتبار شبه السقوط العسكري لممر خيبر الاستراتيجي بمثابة الورطة الحقيقية للأمريكيين في أفغانستان. فالممر الرابط بين بيشاور وأفغانستان هو الوحيد الذي يؤمن قرابة 75% من الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية في أفغانستان. وقد نجحت القوى الجهادية في باكستان وأفغانستان بشلّ حركته بصورة كبيرة جدا عبر مهاجمة قوافل الإمدادات وإحراق المئات من الآليات وغنم العشرات منها. والأسوأ أن القوى الجهادية نجحت بشن هجمات خاطفة ضد مخازن الإمداد والدعم في بيشاور نفسها بصورة أفقدت باكستان صفة القاعدة الآمنة للتحالف. أما روسيا فكانت للأمريكيين بالمرصاد عبر الإيعاز لقرغيزيا بإغلاق القاعدة الجوية في أوج الهجمات، وهكذا يكون الخناق قد ضاق كثيرا على القوات الأمريكية في أفغانستان. ولا شك أن الاستعانة بالجمهوريات الآسيوية الوسطى كأوزباكستان وكازاخستان ليس مأمونا سواء بسبب الضغط الروسي أو بسبب التوترات الشديدة