الصفحة 3 من 12

وهم على ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: الخوارج: وهم الذين يكِّفرون بالمعصية، ويُكِّفرون جل الصحابة وعلى رأسهم عثمان وعلي وطلحة والزبير، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فهؤلاء قد ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم، ففي صحيح البخاري عن عَلِيّ رضي الله عنه: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [3] .

وفي رواية لمسلم عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز قراءتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل) .

وفي رواية متفق عليها عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .

فهؤلاء الخوارج ذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنهم كفار مرتدون عن دين الإسلام، متمسكين في ذلك بظاهر الأحاديث الواردة فيهم، وقالوا يعاملون معاملة المرتدين حيث تباح دماؤهم وأموالهم ويتبع مدبرهم ويجهز على جريحهم ويجوز قتل أسيرهم ولا يحل نكاحهم ولا ذبيحتهم إلى آخر أحكام المرتدين [4] .

ويرى جمهور الفقهاء أنهم بغاة، وهذا هو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك ومذهب متأخري الحنابلة، وهؤلاء هم الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا يسمون بالحَرورية، وذلك حين بعث إليهم أن أقيدونا بعبد الله ابن خباب، قالوا؛ كلنا قتله، فحينئذ استحل قتالهم لإقرارهم على أنفسهم بما يوجب قتلهم.

وأما إذا أظهر شخص أو جماعة رأي الخوارج من التكفير بالكبيرة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وترك الجماعة، إلا أنهم لم يخرجوا على الإمام ولم يسفكوا دمًا أو يهتكوا عرضًا فإنه لا يحل بذلك قتلهم ولا قتالهم وهو قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل الفقه [5] .

وهذه هي سنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث ثبت في مسند الإمام أحمد ورواه الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن شداد أن عليًا رضي الله عنه بعث إلى الخوارج: (كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا ولا تقطعوا سبيلًا ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب) .

وقال الإمام السرخسي رحمه الله في المبسوط: (بلغنا أن عليًا رضي الله عنه أنه بينما وهو يخطب يوم الجمعة إذ حكمت الخوارج من ناحية المسجد، فقال رضي الله عنه:"كلمة حق أريد بها باطل، لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا"، ثم أخذ في خطبته، ومعنى قوله حكمت الخوارج: أي قالوا"الحكم لله"... )

إلى أن قال رحمه الله: (فيه دليل على أنهم ما لم يعزموا على الخروج فالإمام لا يتعرض لهم بالحبس والقتل فإن المتكلمين بذلك ما كانوا عازمين على الخروج عند ذلك فلهذا قال:"لا نمنعكم مساجد الله ولا نمنعكم الفيء"، وفيه دليل على أن التعريض بالشتم لا يوجب التعزير، فإنه لم يعزرهم وقد عرضوا بنسبته إلى الكفر، والشتم بالكفر موجب بالتعزير، وفيه دليل على أن الخوارج إذا كانوا يقاتلون الكفار تحت راية أهل العدل فإنهم يستحقون من الغنيمة مما يستحقه غيرهم لأنهم مسلمون، وفيه دليل على أنهم يقاتلون دفعًا لقتالهم، فإنه قال:"ولا نقاتلكم حتى تقاتلوننا"، معناه حتى تعزموا على القتال بالتجمع والتحيز عن أهل العدل) [6] اهـ

واعلم رحمك الله: أن هناك من يخرج الخوارج من أصناف البغاة، إذ عدهم شيخ الإسلام ابن تيمية صنفًا ثالثًا ممدوحًا قتالهم ابتداءً لمدح المصطفى صلى الله عليه وسلم لمن قتلهم، وذكر رحمه الله أن هناك فرقًا بين قتال علي للخوارج وقتاله لأهل الجمل وصفين، فإنه كان مسرورًا بقتال الخوارج واجتمعت الصحابة معه في أمرهم، بينما تخلف عنه رهط من الصحابة يوم الجمل وصفين، وكان رضي الله عنه حزينًا لقتالهم.

قل شيخ الإسلام رحمه الله: (فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفارًا كالمرتدين عن أصل الإسلام، وهذا هو المنصوص عن أحمد وغيره، وليسوا مع ذلك حكمهم حكم أهل الجمل وصفين، بل هم نوع ثالث، وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم) [7] .

الصنف الثاني: قوم من أهل الحرب خرجوا على الإمام المسلم الممكَّن ورأوا خلعه بتأويل سائغ وأعدوا العدة لذلك وامتنعوا بشوكة: فهؤلاء هم البغاة الذين نعني بالضبط في هذا المقال والذين يبوب لهم أكثر الفقهاء.

الصنف الثالث: قوم لهم تأويل أيضًا سائغ وخرجوا على الإمام ورأوا خلعه إلا أنهم ليست لهم شوكة: إما لأنهم نفر يسير أو أنهم تحت قبضة الإمام وقهره فهؤلاء اختلف فيهم، فطائفة من أصحاب أحمد رحمه الله يعدونهم قطاع طريق وليسوا بغاة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله.

وقال ابن قدامة: (قال أبو بكر لا فرق بين الكثير والقليل وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن الإمام) اهـ

وذلك لأنهم إنما خرجوا على الإمام بتأويل سائغ ورأوا خلعه فلا يمنع قلة عددهم من اعتبارهم بغاة، وكذلك لفظة طائفة تطلق في اللغة على الواحد من العدد وكذلك على ما لا يحصيه عدد.

[3] حديث رقم: 6418

[4] يراجع مجموع الفتاوى، ج28/ 518

[5] يراجع كتاب المغني لابن قدامة، ج8/ 111.

[6] المبسوط، ج10/ 125 - 126، دار السعادة.

[7] مجموع الفتاوى، ج28/ 518

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت