الصفحة 4 من 12

العمدة في جواز قتال البغاة هي آية سورة الحجرات {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ، وقد وردت عدة روايات في سبب نزول هذه الآية الكريمة، منها:

أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمار له على عبد الله بن أبي وهو في مجلس قومه فراث حمار النبي صلى الله عليه وسلم أوسطع غباره فأمسك عبد الله بن أبي أنفه وقال: لقد آذانا نتن حمارك، فغضب عبد الله بن رواحة وقال: (حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحًا منك ومن أبيك) ، فغضب قومه، واقتتلوا بالنعال والأيدي، فنزلت هذه الآية فيهم [8] .

وهذه الآية هي العمدة في جواز قتال المتأولين وهي دليل كل من قاتلهم من الصحابة الأطهار والفقهاء والأخيار.

وذلك لأن الله جل شأنه قال: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} ، فهذا أمر منه سبحانه وتعالى لقتال الفئة الباغية وهو يقتضي الوجوب، والقتال هنا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وذلك لأنه لو تُرك أهل البغي لسعوا في الأرض فسادًا ولأفسدوا على الناس أمور دينهم ودنياهم فوجب قتالهم دفعًا للفساد على وجه الأرض ومنعا لشرهم.

ولكن ينبغي أن يعلم أن الله تبارك وتعالى قدم الأمر بالصلح قبل الأمر بالقتال، فقال سبحانه: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} ، فإن أبوا الصلح ولم ترجع الفئة الباغية عما تعتقد من فساد الرأي والدين قوتلوا، وعليه فلا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم من يدعوهم وليزيل اللبس الذي حط على عقولهم وليكشف لهم الصواب وليقابل الحجة بالحجة فإن أبوا الرجوع عن القتال وعظهم وخوَّفهم، وهذا هو فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث ندب ابن عباس رضي الله عنه إلى أهل حروراء قبل البدء بقتالهم، فلم يزل بهم حتى رجع منهم أربعة آلاف ولله الحمد والمنة، وكانوا ثمانية آلاف رجل، وذلك لأن الغرض والهدف الذي من أجله شرع قتال البغاة هو دفع شرهم، فإن كان ذلك المقصود يتحصل بالكلمة فلا ينبغي أبدًا أن يبدأ بالسيف لأن المقصود كما قلنا دفع شرهم لا قتلهم ولما في القتال من مضرة عظيمة بالفريقين وبالأمة الإسلامية حيث يصيبها الضعف ويؤدي ذلك إلى طمع العدو فيهم.

واعلم أنه إذا طلب أهل البغي فرصة من الوقت لينظروا أمرهم وليتفكروا فيما لديهم من أدلة ويراجعوا العلماء والحكماء من المسلمين كان على الإمام إمهالهم إلى الوقت المحدد مادام قد تبين أن قصدهم إنما هو الوصول إلى الحق وليس إعداد العدة أو انتظار المدد أو ليشفى الجريح ويصفو الطقس أو الجو، فإن كان قصدهم الإعداد لم يمهلوا وأسرع الإمام في قتالهم واستئصال شأفتهم وهذا هو مقتضى العدل الذي أمر الله تبارك وتعالى به.

[8] أحكام القرآن، ج4/ 1717، دار الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت