الصفحة 5 من 12

وجملة الكلام في هذا الموضوع أن الباغي إذا ترك قتال أهل العدل إما لجرح أصابه فعجز عنه أو لهزيمة ألمت به وفر من أرض القتال أو ترك السلاح لتبين الحق له ورجوعه إلى السمع والطاعة أو لأسر، فإنه يحرم عند جمهور الفقهاء الإجهاز على جريحهم واتباع مدبرهم وقتل أسيرهم.

وهذا هو قول الحنابلة والشافعي وأبي حنيفة شريطة ألا ينهزموا إلى فئة، فإن انهزموا إلى فئة جاز عند الأحناف قتل مدبرهم والإجهاز على جريحهم، فإن الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله يقول في البدائع: (فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا بها فيكروا على أهل العدل) [9] .

وقال السرخسي: (وبلغنا أن عليًا رضي الله عنه قال يوم الجمل:"لا تتبعوا مدبرًا، ولا تقتلوا أسيرًا، ولا تذففوا على جريح، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال"، وبهذا كله نأخذ فنقول: إذا قاتل أهل العدل أهل البغي فهزموهم فلا ينبغي لأهل العدل أن يتبعوا مدبرًا لأنا قاتلناهم لقطع بغيهم وقد اندفع حين ولوا مدبرين ولكن هذا إذا لم يكن لهم فئة يرجعون إليها، فإن بقي لهم فئة فإنه يتبع مدبرهم لأنهم ما تركوا قصدهم لهذا حين ولوا منهم منهزمين، بل تحيزوا إلى فئة ليعودوا فيتبعون لذلك، ولهذا يتبع المدبر من المشركين لبقاء الفئة لأهل الحرب) [10] .

قال ابن قدامة رحمه الله: (ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: لا يذفف على جريح، ولا يهتك ستر، ولا يفتح باب، ومن أغلق بابًا أو بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبرهم، وقد روي نحو ذلك عن عمار وعن علي رضي الله عنه أنه ودى قومًا من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين، وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليًا ولا يسلبون قتيلًا) [11] .

والحق والصواب في فعل أمير المؤمنين والخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد شاءت حكمة المولى أن يحدث هذا القتال لنعرف كيف يقاتل أهل البغي كما عرفنا من الصديق كيف يقاتل أهل الردة.

[9] البدائع، ج7/ 208.

[10] المبسوط، ج10/ 126.

[11] المغني، ج8/ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت