يحرم قتل أسير البغاة عند جمهور العلماء سواء أكان للباغي فئة ينحاز إليها أم لا وذلك لأن الهدف من قتال أهل البغي دفعهم لا قتلهم، وقد اندفع شر الأسير بأسره وحصل المقصود وعليه فإن أسير البغاة لا يقتل بل يحبس حتى تنتهي الفتنة ويكرم في محبسه ويدعى إلى الحق لعل الله أن ينير قلبه فإذا زالت الفتنة أطلق سراحه مع ما كان معه من مال، وذلك لقول المولى تبارك وتعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 93] .
ولقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) [12] ، وروى البزار والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟، قال: الله ورسوله أعلم، قال: لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها) ، والحديث وإن كان صححه الحاكم لكن قال الصنعاني في سبل السلام: (في إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك) .
ويرى فقهاء الأحناف جواز قتل الأسير إذا كان لهم فئة ينحازون إليها استئصالًا لشأفتهم.
قال السرخسي: (وكذلك لا يقتلون الأسير إذا لم يكن لهم فئة، وقد كان علي رضي الله عنه يحلف من يؤسر منهم ألا يخرج عليه قط ثم يخلي سبيله، وإن كانت له فئة فلا بأس بأن يقتل أسيرهم لأنه ما اندفع شره ولكن مقهور، ولو تخلص انحاز إلى فئة فإذا رأى الإمام المصلحة في قتله فلا بأس بأن يقتله، وكذلك لا يجهز على جريحهم إذا لم يبق لهم فئة فإن كانت باقية فلا بأس أن يجهزوا على جريحهم لأنه إذا برئ عاد إلى تلك الفتنة والشر بقوة تلك الفئة ولأن في قتل الأسير والتجهيز على الجريح كسر شوكة أصحابه فإن المقصود يحصل بذلك بخلاف ما إذا لم يبق لهم فئة) [13] .
وقال أيضًا: (وإذا أخذ رجل حر أو عبد كان يقاتل وكان عسكر أهل البغي على حاله قتل لأنه ممن يقاتل عبدًا كان أو حرًا، وقد بينا جواز قتل الأسير إذا بقيت لهم فئة) [14] .
واعلم رحمك الله أن هذا الرأي مخالف لرأي الجمهور وكذلك للأدلة السابق ذكرها ولسنة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وعليه فإن قتله قاتل ضمنه لأنه قتل معصوما بدون وجه حق.
قال ابن قدامه رحمه الله: (إذا ثبت هذا فإن قتل إنسان مع منع من قتله ضمنه، لأنه قتل معصومًا لم يؤمر بقتله، وفي القصاص وجهان أحدهما يجب لأنه مكافئ معصوم، الثاني لا يجب لأن في قتلهم اختلافًا بين الأئمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لأنه مما يندرئ بالشبهات) [15] .
[12] صحيح البخاري: 6370
[13] المبسوط، ج10/ 126.
[14] المبسوط، ج10/ 127.
[15] المغني، ج8/ 115.