فالواجب على المسلمين كلهم التعبد لله بهذه المدافعة واحتساب الأجر فيها والرضى بما يترتب عليها مما قدر الله من ألم وشدة ومتاعب سواء كانت أمنية أو اقتصادية فالتكاليف الشرعية منوطة بالمشقة التي يعقبها الأجر والثواب وبازدياد المشقة يزداد الأجر.
ومدافعة الكفار من الامتحان الذي كتبه الله على عباده ليظهر الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق قال تعالى:
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] .
وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] .
ومن أعظم الأعمال الصالحة والقربات الناجحة أن يُظهر المؤمن رغبته وصبره على البلاء بامتثال أمر الله كله دقه وجله وحلوه ومره.
والحكمة في تسليط الكفار على المسلمين هي إظهار هذه المرتبة ومعرفة المتصف بها قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 4 - 6] .
بمدافعة الكفار قد تزهق الأرواح وتسيل الدماء وتنقص الأموال ولكن بعد هذا كله البشارة من الله تعالى ..
قال تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] ، ولا شر في شر بعده البشرى من الله تعالى.
وإن من عمى البصيرة أن يروم البعض النجاة من الابتلاء بالمعصية كما فعل كبير المنافقين الجد بن قيس عندما استنفره النبي صلى الله عليه وسلم لغزو الروم فقال يا رسول الله إني إذا رأيت بنات الأصفر (بنات الروم) فتنت فأذن لي بالقعود عن الغزو ولا تفتني، فأنزل الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة: 49] .
فجعْل المعصية وسيلة للهروب من الفتنة هو الفتنة بعينه.