مع ذلك، غير أنه لا يجوز أن تكون الهدنة مؤبدة بإجماع العلماء، وإنما يجوز أن تكون موقتة، إلى أن يتهيأ للمسلمين معاودة ما افترض الله عليهم من الجهاد.
كما قال في"كشاف القناع"عن الهدنة مع العدو: (هي شرعًا؛ العقد على ترك القتال مدة معلومة، بقدر الحاجة فإنْ زادت بطلت في الزيادة فقط، والأصل فيها قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} ، ومن السنّة ما روى مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنّ النبيّ صالح قريشًا على وضع القتال عشر سنين، والمعنى يقتضي ذلك، لأنّه يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنونهم حتّى يقووا، بعوض؛ منهم أو منّا عند الضرورة كما يأتي، وبغير عوض؛ بحسب المصلحة لفعله) .
وقال: (ولا تصحّ؛ الهدنة، إلاّ حيث جاز تأخير الجهاد؛ لمصلحة، فمتى رأى؛ الإمام أو نائبه، المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال، أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم، أو في أدائهم الجزية أو غير ذلك؛ من المصالح، جاز؛ له عقدها) .
وقال أيضا: (مدة معلومة؛ لأنّ ما وجب تقديره، وجب أنْ يكون معلومًا كخيار الشرط، ولو فوق عشر سنين؛ لأنّها تجوز في أقل من عشر، فجازت في أكثر منها كمدة الإجارة، ولأنّه إنّما جاز عقدها للمصلحة فحيث وجدت جازت تحصيلًا للمصلحة، وإنْ هادنهم مطلقًا؛ بأنْ لم يقيد بمدة لم يصح، لأنّ الإطلاق يقتضي التأييد، وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز، وإنْ نقضوا؛ أيْ المهادنون، العهد بقتال أو مظاهرة؛ أيْ معاونة عدونا علينا،(أو قتل مسلم، أو أخذ مال انتقض عهدهم وحلت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم، لأنّه؛ قتل رجال بني قريظة حين نقضوا عهده وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم، ولما هادن قريشًا فنقضوا عهده حلّ له منهم ما كان حرم عليه منهم، وإنْ نقض بعضهم؛ العهد، دون بعض فسكت باقيهم عن الناقض؛ للعهد، ولم يوجد منهم إنكار؛ على الناقض، ولا مراسلة الإمام؛ في شأنه، ولا تبر؛ ؤ منه، فالكل ناقضون؛ للعهد لرضاهم بفعل أولئك، وإنْ شرط؛ العاقد للهدنة، فيها شرطًا فاسدًا كنقضها متى شاء أو ردّ النساء المسلمات؛ إليهم بطل الشرط فقط لمنافاته لمقتضى العقد) .
وهذا الذي ذكره الحنابلة هو مذهب جماعة الفقهاء من المذاهب؛ لا يختلفون في أنه لا يجوز للمسلمين أن يهادنوا العدو، حتى لو لم يكن محتلا لارض المسلمين على التأبيد، وإنما يكون ذلك مؤقتا بمدة إن اقتضت ذلك المصلحة الشرعية.
كما لا يجوز أن يتضمن عقد الهدنة ما يخالف الشرع، مثل وضع العداوة الدينية مع الكفار، وإشاعة روح المحبة بين المؤمن والكافر - كما يسمونه"التطبيع"- ونحو ذلك.