في وقت اشتداد الهجمة الداعية إلى الصلح مع أعداء هذه الأمة من اليهود يلتفت الشباب إلى من يرشدهم إلى الموقف الحق من هذا الصلح الذي يضفي الشرعية والقبول على احتلال فلسطين وقدسنا العزيزة.
ولقد كان لصوت الشيخ المجاهد عبد الرحمن الدوسري وقع عظيم في قلوب معاصريه حيث كان من أوائل الذين تصدوا لخطورة المخطط اليهودي في المنطقة والذي يرنو إلى انتزاع الاعتراف به كحقيقة واقعة وجار شرعي ... لقد وقف الشيخ في وجه هذا المخطط ولم يترك مناسبة إلا نبه فيها على خطر اليهودية العالمية وفروعها الماسونية المبثوثة في أرضنا الإسلامية، كما لم يغفل أثر المستعمر الأسمر الذي خلف المستعمر الأبيض، وحذر من فساد هؤلاء الباطنيين والمرتدين وبين أن كفر الردة أشد وأفسد من الكفر الأصلي.
عاش الشيخ هموم أمته لا سيما هموم القضية الفلسطينية ولم تكن تغيب عن طرحه ومناقشاته وخطبه التي كانت تبث وعيًا تجاه الأخطار المحدقة بالأمة.
وللشيخ رسائل وكتب كثيرة أهمها تفسير: صفوة الآثار والمفاهيم والذي توفي ولم يكمله، أما مادة كثير من مقالاته ومقولاته فهو الذي نحن بصدده وكم هي حاجة الأمة له اليوم ألا وهو الصراع بين اليهود وأدعياء الإسلام وإن شئت العروبة وقد توفي رحمه الله في لندن في شهر ذي القعدة عام 1399 هـ وشيعته الأمة إلى مثواه في الرياض.
مواقف الشيخ رحمه الله من صراع الأمة مع اليهود:
لم يكن الشيخ عبد الرحمن في ساحة واحدة من ساحات الصراع مع أعداء الإسلام فلم تكن الماسونية واليهودية وحدها ولكن هناك مذاهب وأقوام أخرى كانوا في خندق المواجهة مع الشيخ، كان أبرزها بعد الماسونية القومية العلمانية والوطنية.
ومن خلال هذه الشيع كان الشيخ يدخل للحديث عن فلسطين أحيانًا، وكان يأتي عليها أحيانًا إذا مر ذكر فلسطين. ولما كان الحديث هنا عن هذه القضية وتحدث عن المصالح مع إسرائيل كان جديرًا أن تذكر بعض مواقفه ومقالاته في هذا الباب وسنقسم مواقفه في هذه القضية كما يلي:
أولًا؛ اليهود:
يؤكد الشيخ رحمه الله في كثير من مقالاته وخطبه ومحاضراته عداء اليهود لسائر الأمم عامة ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة منطلقًا من قوله تعالى {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} .
يقول رحمه الله في محاضرة له بعنوان الماسونية عند حديثه عن الغزو الفكري: (إن الغزو الفكري فيه قتل معنوي وفيه سكر معنوي فصاحبه لا يفيق، وفيه عبودية صاحبها لا يتحرر أبدًا، وذلك لفساد تصوراته، يتبجح بالحرية والاستقلال ويشتم الاستعمار صباح مساء، ويشتم ما سمى إسرائيل في كل لحظة، ولكن هو سائر في طريقها وفي نصرتها، وسائر على خطى الإستعمار، إن الذي يحمل البضائع الأرضية الملتقطة من المزابل اليهودية مهما شتم الاستعمار فهو أنجس منه وأقذر، وأضر على شعبه من كل مستعمر ومن كل صهيوني، وحقًا ثم حقًا ومليون حقًا إن الذين حملوا البضائع الأرضية الملتقطة من المزابل اليهودية قد خدموا ما يسمى إسرائيل، ومهدوا لما يسمى إسرائيل، وهم الذين عملوا على تأمينها وعلى تقوية الانطلاقة لها) .
ثم ذكر رحمه الله بعض قرارات المحافل الماسونية لاستغلال وركوب الأمميين وكيف تحققت، ثم قال بعد ذلك: (انظروا كيف تحققت هذه التعاليم ونفذت هذه القرارات وأصبح ما يسمى إسرائيل محوطًا بدولة نصرانية في لبنان، ودولة نصيرية في سورية) .
وما مر ذكر اليهود في ثنايا تفسيره إلا ووقف على مكرهم وخداعهم وضلالهم عن علم ومعرفة بالحق ولكن (حسدًا من عند أنفسهم) . فها هو يقول عن اليهود عند قوله تعالى {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} : (فكان طمع أسلافنا في إيمان اليهود مبنيًا على وجه نظري معقول، ولكن الله العليم بالسرائر يعلم أن لا وجه لهذا الطمع، وليس فيه جدوى، لأنهم انحرفوا بحقيقة الدين الذي هو رابطة روحية قوية بين الأمم، وهداية للقلوب الفطرية، فجعلوه رابطة جنسية عصيبة يريدون به الانفصال عن غيرهم والاستعلاء عليهم، ويتصرفون بالنصوص على حسب أهوائهم ومصالحهم الشخصية، ويريدون أن يجعلوا من دينهم أداة تسلط على الأمم والشعوب في النواحي السياسية والاقتصادية بضروب من أنواع الافتراء على الله) [1] .
ويقول أيضًا عند تفسيره لقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) : (تالله إن الكفر بجميع أنواعه لم يهزم من الإسلام إلا صورته، أما الحقيقة فلو اصطدم بها لتحطم في الآخرين، كما تحطم في الأولين، واليهودية العالمية منذ عصور لم تسقط إلا الصور التي عملت على إبرازها، ذلك أن أكبر صورة يعبث بها الطفل يقدر على إسقاطها، أما الحقيقة فعملاقة) [2] .
ثانيًا؛ مواقفه من احتلال من إسرائيل لفلسطين:
قد لا تجد خطبة أو محاضرة للشيخ تخلو من هذا الموضوع وإن تقسيم هذا الباب إلى قسمين أوضح وأبين:
أ - حديثه عن القيادات العربية المحاربة لإسرائيل: لما كانت القيادات العربية هي عماد كثير من هزائم الأمة في العصر الحديث كان لها النصيب الأوفر من نظر الشيخ وحديثه وهو ممن عاصر وصولهم لسدة الحكم في كثير من بلاد الإسلام.
لذا فلما وصل القذافي الى الحكم اغتر به كثير من أصحاب النوايا الحسنة حين أوصد أبواب الحانات ومنع بيع الخمور وكان جواب الشيخ عنه في تلك الحالة انه من أعداء الإسلام وسيكشف عن وجهه الكالح عن قريب، فلم تمض فترة قصيرة حتى صدق حدس الشيخ وتبين صدق مقولته.
ويحسن بنا أن نقف على بعض من كتاباته وخطبه ومحاضراته عن هؤلاء النكرات في حساب تاريخ الأمة.
يقول رحمه الله في خطبته التي هي بعنوان"حقيقة الهجرة النبوية وحكمها": (وما أكذب القوميين وأفجرهم إذ يقولون: الدين لله والوطن للجميع، الدين لله: صلوا واركعوا وتدروشوا في المسجد. أما الوطن فللجميع: لليهودي والنصراني والدرزي والمجوسي والنصيري. من يحكم حكمًا علمانيًا بقوانين وضعية {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} ، الدين لله والوطن لله؛ رغمًا عن أنوف القوميين أذناب إسرائيل والذين اتضحت خيانتهم في الصلح مع إسرائيل ودقوا آخر مسمار في نعش فلسطين ولعبوا على المسلمين ثلاثين سنة بأخذ التبرعات وإظهار الصيحات الفارغة: الدين لله والوطن لله، لا لأحد غير الله ... يجب أن يحكم فيه بحكم الله وأن تقام فيه شريعة الله وتنفذ فيه حدود الله، ويجب أن يكون منطلقًا للدعوة والجهاد، ولإعلاء كلمة الله وقمع المفترى عليه، هكذا دين الإسلام وما سواه فهو وثنية صبغه اليهود بصبغة وطنية قومية) .
وفي خطبة بعنوان"الدين النصيحة"يقول الشيخ رحمه الله: (الناصح لله المحب الصادق في محبته لله لا يحب أحدًا من الطواغيت المتنفذين الحاكمين بلادهم حكمًا علمانيًا كافرًا، يبيحون فيه الخمور والفواحش والزنا حالة الرضا، والمراقص والربا والبلاجات العارية والقمار، ويحلون كل ما حرم الله ويحكمون بغير شريعة الله، هؤلاء لا يجوز للمسلم محبة أي رئيس من رؤسائهم، ولا التبرع في سبيلهم حتى ولو ادعوا حرب إسرائيل، وهم لو حاربوها فهم كاذبون، لا يحاربونها إلا على مخطط وعند حد مدروس أيامًا معدودات وسنوات معروفة خططها لهم أسيادهم من الروس والأمريكان ولكنهم يلعبون على أذقان الشعوب.
وهذه النظرية كانت غير واضحة عند كثير من أهل الصلاح في الزمن والمكان الذي تكلم فيه الشيخ رحمه الله، ولقد ألمح الشيخ إلى لمحات لطيفة عند وقوفه مع حديث (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار ... الحديث) حيث قال في صفوة الآثار والمفاهيم: (ومن شواهد هذا التصوير وظهور صحته للعيان أنهم في هذا العصر الذي يسمونه عصر النور ويتبجحون فيه بدعوى التقدمية والتحرر، ويخادعون الناس بدعوى طردهم للاستعمار، قد عجزوا عن اقتلاع وانتقاش شوكة في جسمهم، قد اتفق الاستعمار الغربي والشرقي على غرزها فيه، وهي ما يسمى بدولة إسرائيل التي انتزعت منهم قطعة عظيمة عزيزة على المسلمين، ولو نجح أحد طرفي الاستعمار معهم وصدق في معونته لهم باقتلاعها، لا تنفخوا انتفاخة الهر على العالم بشتى أنواع الغرور والتهريج، ولكنهم مع حالتهم المشؤومة التي صاروا بها ألعوبة للغرب والشرق لم يخجلوا من دعاويهم التي يريدون أن يحمدوا فيها بما لم يفعلوا ولم يحفزهم النكبات على توحيد صفوفهم والرجوع إلى ربهم للاستعانة على حرب عدوهم، لأن الأنانية تمنعهم من ذلك وتبعدهم عنه) [3] .
ولما تحدث عن الإسراء والمعراج في محاضرة له بهذا العنوان ألقاها في المسجد الجامع الكبير بالرياض قال: (إن الإسراء يذكرنا بعظم المسجد الأقصى وإسلاميته، الذي أضاعه القوميون بصراخهم وعروبتهم المزيفة، وما إضاعتهم له إلا بسبب خيانتهم لله، حيث رفع الله عنهم يده وسلط عليهم جرذان الخليقة من أراذل اليهود، هذا المسجد الذي يتباكون عليه وبعضهم يزعم عروبة الأقصى، ويطالب بعروبة الأقصى، لأن ذكر الإسلام يزكم أنفه لا يقول إسلامية الأقصى) .
وفي نهاية هذا الفصل يحسن بيان أن الشيخ كثيرًا ما يؤكد التفريق بين الحكام والشعوب فالحكم على الحكام لا ينسحب على الشعوب.
ب- ثانيًا؛ حديثه عن الصلح مع اليهود:
كانت مؤامرة الاستسلام التي خان فيها السادات أمته فاجعة ومفاجئة لكثير من أبناء الإسلام. أما من تابع كتابات الشيخ وحديثه فسيعلم أنه كان يتحدث عن هذه الخيانات قبل وقوعها لمعرفته بأحوال العساكر والإمعات التي تحيط بإسرائيل. فحين كان الناس مبتهجين بحرب أكتوبر كان الشيخ يتحدث عن الخيانات التي حاكها المستعمر الأسمر فيها. ويُغني عن الإسهاب في هذا إيراد بعض من مقالات الشيخ ومقولاته.
يقول رحمه الله في محاضرته نظرات في سورة (ق) عند حديثه عن حكام المسلمين: (جعلوا من فلسطين قميص عثمان، لو استرجعوا فلسطين فبماذا سيحكمونها، مع أن استرجاعهم فلسطين بدون حمل الرسالة لا يمكن، فلسطين انتزعها اليهود بعقيدة ولا تنتزع منهم إلا بعقيدة أصح منها) .
ثم يعرج على عروبة القدس: (يقولون عروبة القدس، عروبة القدس، ولا يقولون إسلامية القدس لأنهم لا ينوون أن يحكموها بالإسلام) .
ولا ينسى أن يبين أثر خيانة الأمة مع اليهود فيقول:(واليهود الجبناء يستيقنون تمام اليقين أن لا قرار لهم ولا يمكن أن تقوم لهم دولة بين أسود التوحيد ذلك خططوا مسخ أسود التوحيد إلى هررة، إلى سنانير لا تملك سوى الانتفاخة: كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد، لكن انتفاخة لا يتبعها إلا الشر وجاء الشر ...
"الصلح مع إسرائيل"؛ وستكون إسرائيل مصيفًا. يا ليتهم اقتصروا على الصلح وعلى علاقات دبلوماسية، لا. بل فتحوا أبواب الثقافة والتجارة والسياحة جوًا وبرًا، لتكون لفساق العرب ويجدون في إسرائيل ما لا يجدون في بلدان العرب الأخرى [بتصرف] يجدون فتيات على غاية من الحسن والجمال، وعلى غاية من المكر ودغدغة الغرائز وكسب القلوب وأخذ الأسرار وابتزاز الأموال. هكذا نتيجة الصلح المشؤوم).
وإذا استمعنا إلى الشيخ في محاضرة له بعنوان"العقيدة والهجرة"تجده محتدًا عند ذكر بعض ألفاظ الحكام حيث يقول: (وجعلت أدمغة الشباب ومن هم أكبر من الشباب متبلورة بدعاوى الطواغيت: ما فيش [4] سلاح، العدو أقوى، العدو وراءه أمريكا. هذه الكلمات الملعونة التي يجب أن يلعن قائلها، هذه الكلمات تأثر بها العرب خاصة، تأثرًا مشينًا، بحيث تكونت فيهم هزيمة نفسية واعتذارات للطواغيت المصطلحين مع إسرائيل. بحدة عدم وفرة السلاح، أو بأن أمريكا تمد إسرائيل بأقوى السلاح. أنتم مددكم من لا تعجزه قوة في السموات ولا في الأرض. أحسنوا علاقتكم بالله وتنالوا من الله كل نصر وتأييد) .
ولما ظن عامة الناس أن عبد الناصر سيدك إسرائيل قبل حرب حزيران البائسة سأله أحد أصحابه عن الحرب فقال بملء فيه: (لا، لا تخف الأمر بسيط. الحرب خمسة أيام أو ستة، تدك فيها قوات جمال عبد الناصر وطائراته التي حصل عليها من روسيا، ثم تكون هناك هدنة يلجأ بعدها عبد الناصر صاغرًا فيسقط في أحضان أمريكا، ثم يكون بعد ذلك صلح ومعاهدة استسلام تبدأ بها مصر، ويتبعها معظم العرب) [5] .
يقول الشيخ هذا قبل 24 سنة، وها هم حكام العرب يركضون في مضمار الاستسلام. ولقد كان نظر الشيخ في موضعه فلقد كان يحاك في الخفاء مشروع روجرز، الذي لا يقل شرًا عن كامب ديفيد.
وأخيرًا:
من هذه الوقفات السابقة مع الشيخ رحمه الله التي نرى فيها صدق اللهجة ومعرفة قدر المتمكنين في رقاب الأمة. كما نرى فيها اعتصار قلب مكلوم على مسرى الحبيب صلى الله عليه وسلم وأرض فلسطين التي فتحها عمر واستعادها صلاح الدين ورويت أرضها بدماء الشهداء من الصحابة والتابعين والمجاهدين الأولين. الارض التي أضاعها من لم يعرفوا ثمنها من أذناب الاستعمار وأفراخ الغرب والشرق.
[بقلم: أحمد مختار > عن مجلة السنة > العدد 18 > جمادى الآخرة 1412 هـ، بتصرف يسير]
[1] صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص 189.
[2] المصدر السابق، ج 1، ص 188.
[3] المصدر السابق ج 1، ص 233.
[4] حرصًا على نقل النص كما ذكره الشيخ جعلناه كما هي.
[5] رسالة الماجستير آنفة الذكر، ص 101.