الصفحة 62 من 62

هل تعتبر تأشيرة"الفيزا"عقد أمان؟

للشيخ؛ ناصر الفهد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضيلة الشيخ ...

هل تعتبر تأشيرة"الفيزا"عقد أمان؟ وإذا كانت كذلك فهل يُعتبر المجاهدون الذين فجروا برجي مركز التجارة الأمريكي ناقضين لذلك العقد [1] ؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وبعد ...

فإن الصحيح؛ أن التأشيرة تعتبر كعقد الأمان عرفًا، ولا بد من الوفاء بهذا العقد، فمن دخل بلاد الكفار ولو كانوا حربيين عن طريق التأشيرة فقد أمنهم، فلا يجوز له بعد ذلك الغدر، سواء في أنفسهم أو أموالهم، ومن فعل ذلك فإنه يدخل تحت الوعيد الشديد.

وأما عمليات"11 سبتمبر"...

فهي صحيحة، بناء على أن الأمريكان رؤوس الكفر في هذا الزمان، وممن آذى الله ورسوله أعظم الأذى، فهم شعب كامل يكمل بعضه بعضا؛ لأنه لا وزن للرئيس ولا للبنتاجون ولا للجيش بدون الشعب، ولو خالفوا أهواء الشعب في سياستهم لأطاحوا بهم كما هو معروف، ولا ينفرد بهذه الدولة الحكومة فقط، بل دولتهم كأنها مشاعة لكل واحد منهم من الأسهم فيها بقدره وبحسبه.

فإذا علمت هذا؛ تبين لك أنهم كشخصية اعتبارية أشبهت من هذا الوجه كعب بن الأشرف، الذي حث الرسول صلى الله عليه وسلم على قتله، واحتال عليه محمد بن مسلمة، وأظهر له الأمان، ثم قتله، لأنه آذى الله ورسوله.

فكان أعظم من كونه محاربًا فقط، فلم يكن الاحتيال عليه لكونه محاربا فقط، بل لأنه جمع مع ذلك الأذى العظيم لله ولرسوله.

وهذا هو حال الأمريكان في هذا الزمن، فليسوا محاربين فقط، بل هم أئمة الكفر في هذا الزمن، وممن عظم إيذاؤهم لله ولرسوله وللمسلمين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في"الصارم" [2/ 179] : (إن النفر الخمسة الذين قتلوه من المسلمين - محمد بن مسلمة وأبا نائله وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبا عبس بن جبر - قد أذن لهم النبي أن يغتالوه ويخدعوه بكلام يظهرون به أنهم قد أمنوه ووافقوه، ثم يقتلوه، ومن المعلوم أن من أظهر لكافر أمانا لم يجز قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم أمنه وكلمه على ذلك صار مستأمنا ... ) .

ثم ذكر أدلة على تحريم قتل المستأمن، ثم قال:(وقد زعم الخطابي؛ أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا، وزعم أن مثل هذا جائز في الكافر الذي لا عهد له، كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغرة، لكن يقال؛ هذا الكلام الذي كلموه به صار مستأمنا، وأدنى أحواله أن يكون له شبهة أمان، ومثل ذلك لا يجوز قتله بمجرد الكفر، فان الأمان يعصم دم الحربي ويصير مستأمنا بأقل من هذا - كما هو معروف في مواضعه -

وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذاه لله ورسوله، ومن حل قتله بهذا الوجه؛ لم يعصم دمه بأمان ولا بعهد، كما لو امن المسلم من وجب قتله لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد الموجب للقتل، أو امن من وجب قتله لأجل زناه، أو امن من وجب قتله لأجل الردة، أو لأجل ترك أركان الإسلام، ونحو ذلك).

ولابن القيم رحمه الله نحو هذا الكلام في"أحكام أهل الذمة".

والمقصود هنا؛ أن هناك قسمًا من المحاربين - ممن هم على شاكلة كعب بن الأشرف - يجوز الاحتيال عليهم ولو بإعطائهم الأمان، كما فعل الصحابة معه، وكما فعل المجاهدين في أحداث سبتمبر.

وقد أبعد النجعة؛ من زعم أن محمد بن مسلمة أظهر لكعب بن الأشرف الكفر، وفرّع على ذلك أنه يجوز الكفر لمثل هذه المصلحة، وفرع عليه أيضا أن قولهم له ليس تأمينًا، بناء على أنه أظهر الكفر، وهذا قول باطل تأصيلا وتفريعا.

وقد اخطأ في هذا الباب فريقان:

-أحدهما؛ من لم يجعل لتأمين المسلم للكفار حرمة مطلقا، فأحل للمسلم أن يغدر بمن أعطاهم الأمان في أنفسهم وأموالهم.

-والثاني؛ من ساوى بين جميع الكفار في هذا التأمين، فيساوي أئمة الكفر ومن آذى الله ورسوله أعظم الأذى بغيرهم من الكفار.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في"الصارم"في التفريق بين أصناف الكفار من حيث العهد والأمان [2/ 503] : (فرق بين من اقتصر على نقض العهد، وبين من آذى المسلمين مع ذلك، وكان - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - لا يبلغه عن أحد من المعاهدين انه آذى المسلمين إلا ندب إلى قتله، وقد أجلى كثير، ومنّ على كثير ممن نقض العهد فقط، وأيضا فإن أصحاب رسول الله عاهدوا أهل الشام من الكفار ثم نقضوا العهد فقاتلوهم، ثم عاهدوهم مرتين أو ثلاثا، وكذلك مع أهل مصر، ومع هذا فلم يظفروا بمعاهد آذى المسلمين بطعن في الدين، أو زني بمسلمة، ونحو ذلك؛ إلا قتلوه، وأمر بقتل هؤلاء الأجناس عينا من غير تخيير، فعلم أنهم فرقوا بين النوعين) .

وتفصيل ذلك في كتاب"نشر البنود" [2] - يسر الله إتمامه -

[جواب سؤال طُرح على الشيخ في المنتدى الخاص بموقعه على الشبكة]

(1) نص السؤال من انشاء الناشر [المنبر] .

(2) أُسر الشيخ قبل أن ييسر له الله نشره [المنبر] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت