والحديث الثاني: أن يزيد بن الأسود رضي الله عنه: (أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هو برجلين لم يصليا، فدعا بهما فجيء بهما ترعد فرائصهما - الفريصة هي اللحمة بين الجنب والكتف فكانت ترجف من الخوف - فقال لهما صلى الله عليه وسلم:(( ما منعكما أن تصليا معنا؟ ) )، قالا: قد صلينا في رحالنا، قال: (( فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصلِّ فصليا معه فإنها لكما نافلة ) ) [رواه من الأئمة أحمد، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم وصححه الترمذي] .
فهذان الحديثان هما عمدة من لم يوجبها وهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
أدلة الموجبين:
فقد استدلوا بأدلة كثيرة منها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( والذي نفسي بيده لقد هممت أن أمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤمَّ الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا - وهو العظم إذا أخذ أكثر ما عليه من الهبر وعليه لحوم رقيقة طيبة - سمينًا أو مرماتين حسنتين - وهي ما بين أضلاع الشاة من اللحم، وقيل ما بين ضلعي الشاة من اللحم - لشهد العشاء ) ) [متفق عليه واللفظ للإمام البخاري رحمه الله تعالى] .
وحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ) ) [متفق عليه] .
وحديث أن رجلًا أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إنه ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فرخَّص له، فلما ولى دعاه فقال: (( هل تسمع النداء بالصلاة؟ ) )، قال: نعم، قال: (( فأجب ) ) [رواه الإمام مسلم في صحيحه رحمه الله تعالى] .
وكذلك صلاة الخوف وهي ثابتة بالكتاب والسنة وعند جمهور الفقهاء قالوا: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمر بصلاة الصلوات الخمس جماعة حتى في حال الخوف والحرب فإن دل هذا على شيء دل على أنها في غير حال الخوف والحرب أولى بالوجوب، فلا حول ولا قوة إلا بالله لما أصبح عليه حال المسلمين اليوم فإنك لا ترى في المساجد من يصلي جماعة إلا النزر اليسير الذي لا يتعدى عشر الواحد بالمائة.
ولما روي عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال: (من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلمًا فليصل هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهن، فالله شرع سنن الهدى وأداء هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى فيها من سنن الهدى، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) [انظر هذا الأثر في كتاب توضيح الأحكام للشيخ البسام ج2 ص231] .
ولما روي عن ترجمان القرآن الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن رجل لا يحضر الجماعة فقال: (هو في النار) [نفس المصدر ص237] .
الترجيح:
والذي نراه أقرب إلى الصواب والله تعالى أعلم، هو المذهب الثاني، وهو مذهب القائلين بالوجوب لقوّة هذه الأدلة التي اعتمدوا علهيا ولغيرها، ويكفيك منها حديث الأعمى، وحديث همّه صلى الله عليه وسلم