الصفحة 8 من 43

أقول: الشاهد من هذه القصة أن هناك فرقًا بين كون الشخص عالمًا بالشئ، وبين كونه فقيهًا فيه، وهو الفرق نفسه بين العلم بالفتيا والفقه بالفتيا؛ فقد يكون الشخص عالمًا بالأحكام الكلية للفتيا أو القضاء، لكنه ليس فقيهًا في الفتيا أو القضاء إذ أن الفقه في الفتيا أو القضاء هو العلم بالأحكام مع تنزيلها على النوازل وواقعات الدعوى.

وهو ما أراد أن يؤكد عليه الونشريسي إذ يقول: (إنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس، فتجد الرجل يحفظ كثيرًا من الفقه ويفهمه ويعلمه غيره، فإذا سئل عن واقعة لبعض العوام من مسائل الصلاة أو مسألة من الأعيان لا يحسن الجواب، بل ولا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر) [1] .

لعل ما ذكره الونشريسي ينطبق على حالة الذين أفتوا تلكم المرأة - أمينة ودود - الأمريكية بجواز إمامتها للصلاة بسبب تمسكهم بشبهة تصيدوها من أحكام وأقوال مبثوثة في كتب الفقه فأفتوا لهذه المرأة أو هي أفتت لنفسها ولمن يحركها من أعداء الإسلام فصارت عالمة حسب مقاييسهم! لكنهم عندما أنزلوا الحكم على الواقع"إمامة المرأة لصلاة الجمعة"ضلوا ولم يفهموا مراد الحديث النبوي ولم يأخذوا في الاعتبار مواضيع أخرى متصلة بالصلاة مثل قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [2] ، وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [3] ، وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ) [4] ، وحيث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: (قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى) [5] ... وأحاديث أخرى كان ينبغي لمن أفتى بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة أن يضمها إلى سائر الأدلة لكي يكون عالمًا بفقه الفتوى التي أشار إليها صاحب"المعيار المعرب".

(1) الونشريسي: المعيار المعرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ج10 ص78.

(2) سورة النور آية 30.

(3) سورة النور آية 31.

(4) سنن الترمذي: الحديث رقم 3004. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. والحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب النكاح برقم 2151. وفي مسند أحمد: مسند علي بن أبي طالب برقم 1389. وفي سنن الدرامي كتاب الرقاق 2765. وفي سنن البيهقي كتاب النكاح برقم 13898.

(5) صحيح مسلم الحديث رقم 5770.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت