الصفحة 50 من 55

بسم الله الرحمن الرحيم

الحلقة السابعة:

{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد. أما بعد:

مع القرآن

{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} .

قال الله تبارك وتعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الأمر بالاستباق إلى الخيرات جاء في موضعين: في سورة البقرة هذه الآية، وفي سورة المائدة قال الله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} والمسابقة إلى الخيرات هو سبيل الأمة والأفراد.

جاء الأمر في الآية بقول الله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} أمر للجمع، للمجموع، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} فأمة الاسلام أمة مسابقة إلى الخيرات مسارعة فيها، وكذلك أفراد الأمة؛ أفراد الأمة مسابقون في الخيرات مسارعون إليها، ومفهوم المسارعة عند أمة الإسلام مختلف عن بقية الأفكار والمذاهب والآراء، الأمر بالمسارعة والمسابقة في الخيرات في الدنيا والغرض عمارة الآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وقال الله سبحانهُ وتعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} فالمسارعة في الدنيا والقصد والمطلب هو رضوان الله تبارك وتعالى والدار الآخرة. هذه القيمة وهذا الخلق الغائب عن كثير من الخلق المتميزة بها أمة الإسلام أمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- أنها تريد من المسابقة في الخيرات والمسارعة إليها: الله والدار الآخرة.

وأخبرنا الله سبحانه وتعالى عن صفات السابقين والمسابقين في الخيرات، ذكر سبحانه وتعالى صفاتهم وهي صفات تدل على ابتغاء الله والدار الآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} فأخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن صفات المسارعين في الخيرات والمسابقين إليها، وهذه الصفات في ترتيبها كما جاء في المصحف، كما جاء في ترتيب الآيات؛ في غاية الحسن.

الصفة الأولى:

قال الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} دلت هذه الصفة على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عن ما لا ينبغي، يخاف من الله تبارك وتعالى فيكف عن الآثام، يخشى الله تبارك وتعالى والدار الآخرة، يكف عن الآثام، يكف عن العدوان، يبتعد عن الأذى، يسارع في الخيرات، ويسابق في الطاعات ويجتنب .. يخاف الله تبارك والدار الآخرة فيجتنب الآثام والأذى والظلم والعدوان.

الصفة الثانية:

قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} دلت على أصل الإيمان والتعمّق فيه، ابتعاد عن الشر وارتقاء في الإيمان وفي منازل الإيمان وفي القرب من الله تبارك وتعالى.

الصفة الثالثة من صفات السابقين للخيرات المسارعين إليها:

قال الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} دلَّت هذه الصفة على ترك الشرك واجتناب الرياء في الطاعات، ففعلهم في المسابقة إلى الخيرات وبذل المعروف وعمارة الأرض ليس من أجل الناس وليس من أجل الخلق، قلوبهم بعيدة عن الشرك وأعمالهم بعيدة عن الرياء.

الصفة الرابعة من صفات الذين يسارعون في الخيرات:

قال الله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} دلَّت هذه الصفة على الإتيان بالطاعات والمسابقة في الخيرات مع الخوف من التقصير، لا يوجد عجب ولا غرور ولا فخر، لا .. بل لديهم خوف وإشفاق واستسلام لله تبارك وتعالى.

هذه الصفات الأربع صفات الصديقين.

السابق بالخيرات من هو؟! باختصار السابق بالخيرات هو الذي يأتي بالطاعة في أول وقتها على تمامها بفرائضها وسُننها، المسابقة والمسارعة في الخيرات في الدنيا والغرض عمارة الآخرة. هذا هو سبيل المؤمنين، أما الكفّار فلا يريدون الله ولا الدار الآخرة، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} هذا سبيل الكفّار؛ الرضى بالدنيا والطمع فيها.

بل أخبر الله سبحانه وتعالى عن الكفار أنهم يُسارعون في الآثام ويُسارعون في المعاصي ويُسارعون في العدوان على الخلق وأكل أموال الناس بالباطل، قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مسارعون في المعاصي والآثام والعدوان وإفساد الأرض وأكل أموال الناس بالباطل، فالكفّار يسارعون في الدنيا وفي ملذاتها وأخبر الله سبحانه وتعالى عن المنافقين أنهم يُسارعون في الكفر، قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}

وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فأخبر الله سبحانه وتعالى عن المنافقين أنهم يسارعون في الكُفر ويبادرون إليه.

والمنافقون كذلك يُسارعون في العمالة وفي الخيانة ويزعمون أنهم يخافون الدوائر والمصائب والحوادث، قال الله سبحانه وتعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} هذا سبيل المؤمنين وهذا سبيل أهل الكُفر والنفاق.

سبيل المؤمنين: المسارعة في الخيرات والمسابقة إليها وابتغاء رضوان الله تبارك وتعالى والدار الآخرة.

وسبيل أهل الكفر والنفاق: هو الفساد والعدوان والمسارعة في الإثم والمسارعة في الكفر وأكل أموال الناس بالباطل وفي العمالة والخيانة.

لا يستوي الفريقان، ولا يستوي المسارعون إلى الله من المؤمنين، هم درجات عند الله تبارك وتعالى، يسابقون إلى الله، مسارعون في الخيرات ولكنهم درجات متفاوتة، قال الله سبحانه وتعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يستوي المؤمنون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وكانوا في وقت الشدة وكانوا في وقت الضيق وهم أهل التضحية والمبادرة أعظم درجةً من الذين آمنوا وأسلموا وجاهدوا من بعد الفتح، وَكُلًّا وعده الله تبارك وتعالى الحسنى؛ الجنة. والله سبحانه وتعالى خبير بما في النفوس.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لرضوانه وأن يجعلنا من المسابقين في الخيرات المسارعين إليها، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت