الاعتصام بالله -إجمالًا وباختصار- في أربعة أمور: التسليم والانقياد التام للكتاب والسنة، قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} إسلام واستسلام وانقياد لأحكام الله تبارك وتعالى في الكتاب والسنة، ومن خالفها فهو في ضلالٍ مبين، الهداية في الكتاب والسنة، والضلال المبين الواضح هو في مخالفة الشريعة، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: عدم التقديم بين يدي الله ورسوله، عدم الافتئات على الشريعة، أن لا يقدم على أمر إلا بعد أن يعلم حكم الله تبارك وتعالى فيه وحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، ما قال الله؟ ما قال الرسول في هذا الأمر؟ هل هو جائز؟ قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} معناها عدم الافتئات على الشريعة، أن لا نقدم عليها شيئًا ونجعل الشريعة هي الإمام، الكتاب والسنة هو الإمام ونحن متبعون لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا الأمر الثاني.
الأمر الثالث من الاعتصام بالله تبارك وتعالى: إبطال ما خالف الكتاب والسنة، كل أمرٍ خالف الكتاب والسنة، كل عُرف، كل عادة، كل قانون أو دستور أو منظومة أو منظمة أو كائنًا ما كان خالف الكتاب والسنة فهو باطل، أعتقد بطلانه وأجهر ببطلانه، قال الله سبحانه وتعالى: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} هذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل ما خالفها فهو الضلال.
الأمر الرابع من الاعتصام بالله تبارك وتعالى: الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، حصل خلاف الرد إلى أين؟ إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، ليس الرد إلى الدستور والقانون ولا إلى الشرعية الدولية ولا إلى الشرعية الثورية ولا إلى صناديق الاقتراع ولا إلى البرلمان، اختلفنا في شيء نحن المسلمين، أين الحكم؟ الحكم في كتاب الله وسنة رسول الله، إذا اختلفنا في أمر أمرنا الله تبارك وتعالى أن نرده إلى كتاب الله وسنة رسوله، قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} فقيّد الله سبحانه وتعالى هذا الأمر {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} تؤمن بالله، تؤمن باليوم الآخر إذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، معناه: من لم يرد التنازع إلى الكتاب والسنة إلى شريعة الله إلى حكم الله فكيف هو في الإيمان بالله واليوم الآخر؟
هذه أربعة أمور يكون بها الاعتصام بالكتاب والسنة.
الأمر الأخير من السير على الصراط المستقيم: بالفتح في سبيل الله -الفتح- قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} فأخبر الله سبحانه وتعالى أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم تكون مع الفتح -فتح البلدان- بالجهاد وغيره في سبيل الله.
من التزم الصراط المستقيم اليوم نجا على الصراط المستقيم يوم القيامة، صراط الله المستقيم على الأرض هو أحكامه الشرعية -الإسلام-، ولله تبارك وتعالى يوم القيامة صراط منصوبٌ على ظهر جهنّم من سار على هذا الصراط اليوم ونجا نجا على ذلك الصراط، وبمقدار سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذلك الصراط يوم القيامة -كما قال ابن القيم في المدارج-. فلينظر العبد من سيره على هذا الصراط سيره على ذاك الصراط، فمن تخطّفته هنا الشبهات والشهوات تخطّفته هناك الكلاليب على ظهر جهنّم جزاءً وفاقا، ومن كان هنا مسرعًا في طاعة الله فهو في الآخرة متجاوزٌ سبّاقٌ إلى الجنة.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لطاعته وأن يهدينا الصراط المستقيم إنه على كل شيءٍ قدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.