وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} قال ابن عيينة -رحمه الله-:"سُئل علي -رضي الله عنه- عن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} فقال: العدل الإنصاف، والإحسان التفضّل". ذكره ابن قتيبة في (عيون الأخبار) .
وغير ذلك من الآيات وهي كثيرة، الحاثّة على الإنصاف والمحذّرة من الظلم. وغاية الإنصاف أن تُنصف الناس من نفسك، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} .
وذكر البخاري -رحمه الله- في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- أنه قال:"ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار".
وكما قلنا أن المخطئ خاصة من العلماء العاملين لدين الله والذين لهم حسنات كثيرة، وقد كان هذا الأمر سابقًا والآن، وأهل السنة والجماعة هم أكثر الناس إنصافًا لخصومهم، لمن يُخطئون حتى ولو كانوا من الخصوم. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في (درء تعارض العقل والنقل) بعد ذكره لطائفة من العلماء ممن كانت لهم أقوال مُبتدعة ومخالفة للحق، قال -رحمه الله-:"ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف. لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة وهم فضلاء عقلاء احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظّمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أواسطها."
وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبّل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .