الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
قال الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} . قال أبو إسماعيل الهرويّ -رحمه الله-:"الحكمة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه".
وقال ابن القيم -رحمه الله-:"الحكمة فِعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي".
وقال النووي -رحمه الله-:"الحكمة عبارة عن العلم المتَّصِف بالأحكام، المشتمل على المعرفة بالله -تبارك وتعالى-، المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به، والصَّد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك".
ونخلص من هذه التعاريف للحكمة أنها اكتمال العقل المبنيّ على علم بالكتاب والسنة، مما يجعل صاحبها يضع الأمور في مواضعها ويتصرّف التصرُّف الصحيح في كل ما يَعرِض له من أحداث.
والحكيم هو من يوفَّق لهذا الأمر، وذلك بإخلاصه لله تعالى، وبحثه عن الحق في كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-. ثم يتجرّد من حظوظ نفسه الأمَّارة بالسوء، ويتحرّر من قيودها، ولا يخاف في الحق لومة لائم، فهذا من يوفّقه الله للحكمة؛ فإذا فكّر فبها، وإذا نطق فبها، وإذا عمل فبها.
وعندما تتفكر في ذلك الرَّعيل الأول من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح -رضي الله عنهم ورحمهم الله- تجدهم قد حققوا هذا المعنى العظيم للحكمة. حتى قال بعضهم عن بعض:"لو كان هناك نبي بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكان فلانًا"، وقد ذُكر ذلك في الإمام الحسن البصري -رحمه الله-.
ومن عجائب المتفلسفة الجهّال أن يُسمُّوا بعض الكفار والملاحدة"حكماء"، وما رأوا حكمة أئمتنا وسلفنا الصالح، ومَن نَهَل مِن مَعِين حكمتهم وغَرَف غُرفة من نهر رجاحة عقولهم فقد وُفّق للحكمة.