الصفحة 15 من 22

وإننا في هذه الأيام ومع تلاطم أمواج الفتن واختلاط الحابل بالنابل في حاجة ماسّة للحكمة والحكماء؛ الذين يستضيؤون بنور العلم الصحيح ويضعون الأمور في مواضعها، فلا يلينون في موضع الشدة ولا يشدُّون في موضع اللين، ولا يتكلّمون في مقام الصمت ولا يصمتون في مقام الكلام، ويعرفون ما الذي ينبغي أن يكون منهم في الوقت المناسب والمكان المناسب.

فشِدَّة من حُرم الحكم في غير موضعها تجلب عليه وعلى كل من حوله المفاسد العظام، ولين من حُرمها في غير موضعها يُجرِّئ من لا خلاق لهم عليه وعلى من حوله جميعًا. والحكيم من وُفق للتعامل الصحيح في كل موضع.

وأكثر من يحتاج للحكمة في هذا الزمان هم العاملون لإصلاح ما أفسده المفسدون، وهم المؤمنون المجاهدون. وكما قيل:"الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها".

ولذا وجب عليهم أن يطلبوها ويسعوا في تحصيلها من مصادرها الأصيلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وإرث السلف الصالح في فهم النصوص وكيفية تعاملهم مع النوازل التي نزلت بهم في واقعهم آنذاك. وعلى المجاهدين ألا يألوا جُهدًا في تحصيل الحكمة ولو ممن قد يُنطقه الله بها وهو ليس من أهلها. وكما قيل:"خذوا الحكمة من أفواه المجانين".

ولا بد أن يكون المجاهدون أهل شجاعة وبأس وحماسة، وهذه الشجاعة والبأس والحماسة من غير حكمة قد تؤدي إلى نتائج عكسية سلبية، فترجع بالمفاسد على أهلها، وقد تصل بهم إما إلى الانتكاس والانقلاب على الأعقاب، أو إلى التمادي في الغيّ والأخطاء حتى تُفنيهم ما بين قتيل وأسير وطريد. وهذه النتيجة قد رآها المتابعون المحقِّقون فيما مضى من أقوام وفيما عايشه الناس في هذا العصر.

ولست أقول إن هذه التجارب السابقة والمعاصرة جميع أصحابها ضالون مخالفون، بل قد يكون منهم صالحون مصلحون، إلا أنهم قد جانبوا الحكمة في جوانب من تجاربهم. والله يجزيهم الخير على جهدهم واجتهادهم. وكما قال الشاعر:

الرأي قبل شجاعة الشُّجعانِ ... هو أولٌ وهي المحل الثاني ...

فإذا هما اجتمعا بنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت