وفي المقابل، من يزعم الرأي والحكمة دون شجاعة وبأس وحماسة، ودون عمل وجهاد واقتحام للمخاطر في سبيل الله، فحقيقة أمره أنه جبان يُغطّي جبنه وخوره بادعاء الحكمة والعقل. وكما قال الشاعر:
يرى الجبناءُ أن العجزَ عقلٌ ... وتلك خديعةُ الطَّبع اللئيمِ ...
وكلُ شجاعة في المرء تُغني ... ولا مِثْلَ الشجاعة في الحكيمِ
وقد أثنى الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بعض أمته بسبب وجود الحكمة فيهم، وقرن الحكمة بالإيمان والفقه، وذكر من صفاتهم الرقة واللين. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (جاء أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة، الإيمان يمانٍ، والفقه يمانٍ، والحكمة يمانيَّة) . وفي رواية: (أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبًا وأرقُّ أفئدة) .
فيتبيَّن من هذا الحديث الشريف اقتران الحكمة بالفقه والإيمان وأن يكون من صفات الحكيم المؤمن الفقيه تغليبُ جانب الليل والرقّة على الغلظة والجفاء. والغلظة والجفاء على غير من يستحقها وفي غير موضعها هو ما ذمّه -عليه الصلاة والسلام- في أحد روايات هذا الحديث:
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (جاء أهل اليمن، هم أرقّ أفئدة، وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، السَّكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدَّادين أهل الوبر، قِبل مطلع الشمس) .
فعلى المؤمن المجاهد الذي يسعى للإصلاح وتصحيح مسار البشرية وإرشادها إلى الهدى وإخراجها من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، أن يسعى للوصول إلى الحكمة، ويُخالط الحكماء من المؤمنين الفقهاء الصالحين، ولا يتوانى في تحصيل هذا المطلب الذي قال -سبحانه وتعالى- عنه: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} .
قال الشاعر:
وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئًا ... كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ