الصفحة 40 من 103

ولذا لا يصح اعتراض ابن الهمام الحنفي رحمه الله على مذهب المحتجين برأي عائشة - رضي الله عنه - حينما قال: إن قصارى فعل عائشة - رضي الله عنه - قول صحابي، وهو عنده ليس بحجة، لو لم يكن معارضا بالحديث المرفوع، وعمل الراوي بخلاف روايته لا يدل على النسخ بل العبرة لما روى لا لما رأى عنده.أ.هـ [1] .

قلت: وجه عدم صحة هذا الاعتراض أن مذهب الجمهور التفصيل في مخالفة الصحابي لروايته كما سبق، فاحتجاجهم بفعل عائشة جاء موافقًا لمذهبهم الأصولي، وليس معارضا له، ومرد هذا، إن الصحابة أعلما لناس في تفسير ما رووه من المجملات، فيجب تقديم رأيهم على رأي من جاء بعده [2] فلا معارضة في هذا أصلا بين رأي الصحابي وروايته، إنما المعارضة واقعة بين الصحابة ومخالفيهم ممن جاء بعدهم، والواجب تقديم رأس السلف على الخلف، بخلاف ما إذا كان المروي نصا جليلا، فإن المخالفة هنا حصلت بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الصحابي، فيجب والحالة هذه تقديم قول المعصوم على قول من يحتمل كلامه الخطأ.

أما ما رآه ابن حزم رحمه الله من الزام الحنفية بالأخذ برأي عائشة - رضي الله عنه - تسوية بأخذهم برأي أبي هريرة - رضي الله عنه - ، كما في المحلي 6/79.

(1) شرح فتح القدير 2/217.

(2) لا شك أن رأي الصحابي في تفسير ما روى مقدم على رأي غيره، لأنه لو قدم رأ يغيره لنسب الخطأ إلى الراوي بلا حجة، إلا مجرد مخالفة غيره له والأصل سلامته، ومن الذي يدعى أن رأيه مقدم على رأي عائشة - رضي الله عنه - في فهم ما خاطبها به النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث مجمل، ولذا تردد البيهقي رحمه الله حينما تعرض لمناقشة رأي عائشة، انظر المجموع 5/491. مع ما عرف عنه رحمه اله من الاندفاع في رد حديث عافية بن أيوب، ولو دق رحمه الله في هذه المسألة الأصولية لسلم من هذا التردد، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت