وأرى أن في هذا نظرًا لمخالفته ظاهرها، ثم من أين الدليل على أن هؤلاء الصحابة قصدوا حمل الآية على وجوب الزكاة في جميع أنوع الذهب، الحلي وغيره، مع ما عرف من أن مذهب بعضهم كابن عمر وجابر - رضي الله عنه - القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي، ولا يصح أن يجعل قول الصحابي العام حجة عليه فيرد به قوله الخاص، بل الواجب ضم كلامه بعضه إلى بعض والخروج بالنتيجة الموافقة لمقتضى الأصول الفقهية.
ثم إن هذه الآية مختلف في تفسيرها، وأرجحها ما يوافق ظاهرها لا ما يخالفه، لأن ظاهر الدليل أصل لا يجوز تركه إلا بدليل صارف، وستعرف فيما يأتي إن شاء الله أرجح التفاسير الذي ينبغي المصير إليه، ومدى دلالتها على ما احتجوا بها عليه، وقبل ذلك إليك أقوالهم في تفسيرها:
1-أن ظاهرها يدل على تحريم الاكتناز وهو ضم المال بعض إلى بعض، وفقا لدلالة اللغة، ولأن عدم الانفاق هو بمعنى الاكتناز فآخر الآية يحدد المراد بأولها ويؤكده، ولا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا بدليل ملزم، ولا وجود هذا الدليل، ولذا فإنه لا يشمل حكمها الحلي المستعمل لخروجه بالاستعمال عن حد الاكتناز ومن اعتبره كنزا فقد غير دلالة ظاهر اللغة أما إذا لم يعد للاستعمال فإنه داخل في حكمه بالاتفاق.
قال الكيا الهلراس: وإذا كان المقصود من ذكر الكنز أن صاحبه يمسكه ولا ينفق منه في سبيل الله تعالى، فظن قوم أ، من صاغ الدراهم حليا ولا يزكي منه فهو كنز، وهذا استدلال بطريق المعنى وإلا فاللفظ من حيث الظاهر لا يدل عليه أصلا [1] ، وقال ابن العربي: فنحن لا نقول: إن الشرع غير اللغة، وإنما نقول: إنه تصرف فيها تصرفها في نفسها بتخصيص بعض مسمياتها، وقص بعض متناولاتها للأسماء.أ.هـ [2] .
(1) أحكام القرآن 4/67.
(2) أحكام القرآن 2/928.