وأما الذهب فقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ما من صاحب ذهب لا يؤدي ما فيها إلا جعل له يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها) فوجبت الزكاة في كل ذهب بهذا النص. ثم قال: ولم يأت إجماع قط بأنه عليه الصلاة والسلام لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص ولا إجماع.أ.هـ [1] .
الجواب عن الاستدلال بهذه الأحاديث:
إن من يتأمل هذه الأحاديث يدرك أنها لا تدل على زكاة المصوغات المتخذة حليا لأمرين:
أحدهما: أن حديثي الفضة قد ربطت الزكاة فيها بالدراهم والرقة والأواقي، وكلها مسميات لاسم واحد، كما سبق بيانه، ومعلوم أن حلي الفضة يشارك الدراهم في كونهما من أصل واحد وهو الورق، ولكنههما يختلفان بعد ذلك، من حيث المنافع والأوصاف وقصد التملك، والحديثان إنما أوجبا الزكاة في جنس الدراهم أما جنس الحلي فلم يدلا عليه، ولا يصح أن يقال: بأنه يجب أن يعطى الحلي المتخذ زينة ما ثبت للدراهم لكونهما من ورق، إذ لو قيل بهذا للزم أن تعطى الدراهم كل أحكام الحلى، من تحريم الابداء وتحريم اتخاذ الرجال له كما هو شأن الحلي وهذا لم يقل به أحد فثبت الفرق بينهما.
ثم إن حلي الذهب والفضة، قد انتقلا إلى أصل جديد وهو اللباس والزينة والتحلي، فيجب أن يأخذا حكم ما انتقلا إليه طردا وعكسا، وإلا فإنه يلزم التفرقة بين المتماثلات بلا دليل واضح البيان، بل بمجرد أدلة مجملة جاء بيانها مخالفا لما استدل بها عليه، ثم إن الحلي أصل يشمل حلي الذهب وغيره من الماس واللؤلؤ، ولا خلاف في عدم وجوب زكاة أصل الحلي إنما الخلاف القائم في حلي الذهب والفضة، لا لكونهما حليا ولكن لكونهما ذهبا أو فضة، فيجب الإبقاء على عموم حكم الأصل المتفق عليه.
(1) المحلى 6/80. وانظر نصب الراية 2/369.