ثانيهما: أن حديث الذهب الذي استدل به مجمل لا يجوز العمل به قبل بيانه، ولما جاء البيان أفاد أن الزكاة في الدنانير دون الحلي، وقد سبق مناقشة هذا الحديث، والله أعلم.
الدليل الرابع:
ما رواه أبو داود عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال دخلنا على عائشة - رضي الله عنه - قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات [1] من ورق فقال: (ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن لا تزين لك بهن يا رسول الله، قال: أفتؤدين زكاتهن؟ فقلت: لا، فقال هن حسبك من النار) وأخرجه الحاكم وصححه، وقد عده ابن الهمام رحمه الله من أدلة الحنفية على وجوب زكاة الحلى [2] .
وجه الاستدلال بالحديث:
قال الجصاص بعد إيراد هذا الحديث: فانتظم هذا الخبر معنيين، أحدهما: وجوب زكاة الحلي، والآخر أن المصوغ يسمى ورقا، لأنها قالت: فتخات من ورق، فاقتضى ظاهر قوله (في الرقة ربع العشر) إيجاب الزكاة في الحلي، لأن الرقة والورق واحد.أ.هـ [3] .
درجة الحديث:
اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، وأرى أنه صالح للاحتجاج به، لأن أقل أحواله أنه حسن لذاته، وإذا ضم إليه حديث عمرو بن شعيب صار صحيحا لغيره، ولا أرى أن التعلق بتضعيفه هو الحجة في عدم إيجابه زكاة الحلى، ولذا أعرضت عن ذكر قول المضعفين له لضعفها، والله أعلم.
فقه الحديث:
إن من يتأمل ظاهر هذا الحديث يرى أنه غير صريح في إيجاب الصدقة في الحلي المستعمل للإجمال الوارد فيه إلا أنه مع ذلك يدل على الأحكام التالية:
1-إطلاق مقدار الزكاة المأمور بأدائها إذا لم يرد في الحديث تحديدها.
2-كان أول تحلي عائشة - رضي الله عنه - بتلك الخواتيم، وقت حدوث القصة إذ لو كان من عادتها التحلى به قبل ذلك لم يرد السؤال أصلًا.
(1) كذا في السنن 2/96 وفي شرح فتح القدير (فتخات ورق) .
(2) شرح فتح القدير 2/216، وقد اشرت إلى موضعه من هذا الكتاب ليعلم مدى الاحتجاج به عند الحنفية.
(3) أحكام القرآن 3/107.