قال أبو الخطاب بعد تقسيمه المجمل: ومجمل له عرف في اللغة، وهو مثل الصلاة والزكاة والحج ... ثم قال: وأما الزكاة فمعناها في اللغة الزيادة والنماء يقال زكا المال إذا نما ... فحكم هذا أن لا يصار إليه حتى يرد دليل يفسره، قال أحمد رحمه الله في كتاب طاعة الرسول: لا يجوز العدول إلى هذا حتى يرد ما يفسره.أ.هـ [1] .
ثم إن عائشة - رضي الله عنه - أعلم الناس بتأويل هذا المجمل، لأنها هي المقصودة فيه فلم تر أنه يدل على وجوب زكاة الحلي كما ثبت هذا عنها عند الإمام مالك بأصح طريق كما قال أهل العلم، فيجب المصير إلى فهمها، لئلا ينسب إليها مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر عظيم حقت العقوبة على من خالفه، خصوصا وأن مرد الخلاف يعود إلى فهم مجمل لم ينص على بيانه.
وقد اقتضت أصول مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن مخالفة الراوي لما روى إن كانت تعود إلى تفسير مجمل، فالأخذ بتفسير الصحابي أولى من غيره، قال أبو الخطاب: تفسير الصحابي الراوي للخبر إذا كان مجملًا أولى من غيره، وذلك مثل ما روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال:"الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء"ثم فسر ذلك في حديث مالك بن أوس بن الحدثان، حين صارف طلحة بين عبيد الله، قال له لا تفارقه حتى يعطيك ورقك أو ترد عليه ذهبه، ففسر (هاء وهاء) بالتقابض في المجلس وكذلك فسر ابن عمر (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا) بالافتراق عن المكان، وكان إذا باع مشى قليلا، وكذلك فسر قوله: (فاقدرو له) على ضيقوا له، فكان إذا كان في السماء علة ليلة الثلاثين صام وأمر أهله بالصيام، والوجه في ذلك: أنهم حضروا التنزيل، وعرفوا التأويل، وهم أعرف بمراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لكونهم معه، وبحضرته، فيجب الرجوع إلى تفسيرهم.
(1) التمهيد في أصول الفقه 1/10،11. وانظر تفسير القرطبي 1/343،344، وإرشاد الفحول 168، والمسودة 159.