البيان الثاني: إيجاب جزء مخصوص من مال مخصوص بشروط معينة وهذا هو المعنى بإيجاب الزكاة في التشريع الأخير من السنة الثانية من الهجرة، وليس الحلي من هذا المال المخصوص، لأن عدم وروده باسمه الصريح حينما أوجبت الصدقات كاف في بيان أنه غير مارد في إيجاب الزكاة، فضلا عما ورد فيه من أدلة قوية وواضحة تدل على عدم وجوبها فيه. كما سبق بيانه في الباب الأول.
وقد قال الإمام أبو عبيد رحمه الله تعالى: فقد اختلف في هذا الباب صدر هذه الأمة و تابعوها، ومن بعدهم.
فلما جاء هذا الاختلاف أمكن النظر فيه، والتدبر لما تدل عليه السنة فوجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سن في الذهب والفضة سنتين: أحدهما في البيوع، والأخرى في الصدقة.
فسنته في البيوع قوله"الفضة بالفضة مثلا بمثل"، فكان الفضة (بالفضة) مستوعبا لكل ما كان من جنسها، مصوغا وغير مصوغ، فاستوت في المبايعة ورقها وحليها ونقرها [1] ، وكذا قوله (الذهب بالذهب مثلا بمثل) فاستوت فيه دنانيره وحليه وتبره.
وأما سنته في الصدقة فقوله: (إذا بلغت الرقة خمس أواقي ففيها ربع العشر) فخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة الرقة من بين الفضة، وأعرض عن ذكر سواها، فلم يقل إذا بلغت الفضة كذا ففيها كذا ولكنه اشترط الرقة من بينها، ولا نعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب يقع إلا على الورق المنقوشة ذات السكة السائرة في الناس، كذا الأواقي ليس معناها إلا الدراهم، كل أوقية أربعون درهما ثم أجمع المسلمون على الدنانير المضروبة أن الزكاة واجبة عليه كالدراهم، وقد ذكرت الدنانير أيضًا في بعض المرفوع [2] .
(1) يريد بهذا: التبر.
(2) كتاب الأموال ص448، 449.