قال شيخ الإسلام: وهذا ليس بصحيح، لأنه قبل أن يعرف الحقيقة الشرعية أو الزيادات الشرعية كيف يصرف الكلام إليها، وبعد ما عرف ذلك صار ذلك بيانا، فما أخرجه عن كونه مجملا في نفسه أو غير مفهوم منه المراد الشرعي، والصحيح أنه إذا كان ذلك بعد ما تقررت الزيادة الشرعية أو المغيرة أنه ينصرف إليها لكونه هو أصل الوضع مع الزيادة، فصرفه إلى زيادة أخرى يخالف الأصل.أ.هـ [1] .
قلت: فعلى هذا فإن الأسماء الشرعية المجردة من القرينة إن كان ورودها قبل البيان، فهي مجملة، وإن وردت بعد البيان فهي حقيقة شرعية، وإن لم يعلم تاريخ ورودها، فالأولى أن تحمل على الأجمال، لأنه الأصل فيها، ولم يرد ما يرفعه. ويمكن أن نمثل لهذا بأن لفظ الزكاة الوارد في الآيات المكية يجب حمله على الأجمال، لئلا نجعل المجمل حقيقة شرعية قبل ورود بيانه، أما ما ورد في الآيات والأحاديث التي جاءت بعد تقرير الزكاة ذات النصب فيجب حمله على الحقيقة الشرعية للفظ الزكاة كحديث جبريل الطويل فإنه جاء في السنة التاسعة كما في السير. أما الأحاديث التي لا نعلم تاريخ ورودها هل كان قبل السنة الثانية للهجرة أو بعدها، فإنه يجب أن تحمل على الأجمال لأنه الأصل فيها، ولا يجوز أن يترك هذا الأصل إلا بدليل، وهذا يوافق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية السابق من حيث الجملة، والله أعلم.
الوجه الثاني: أن وجود المجمل في أدلة الكتاب والسنة أمر نسبي فهو موجود بالنسبة لبعض أفراد الأدلة، وغير موجود بالنسبة لمجموع الأدلة، لأن الله تعالى قد أكمل لنا الدين، وإن من كماله إيضاح إجمال دلالاته.
(1) المسودة في أصول الفقه ص159، 160.