قال أحدهم: إن الذين لا يوجبون زكاة الحلي، ويستدلون بمثل هذا اللفظ [1] لا يخصون وجوب الزكاة بالمضروب من الذهب والفضة، بل يوجبونها في التبر ونحوه، وإن لم يكن مضروبا، وهذا تناقض منهم وتحكم حيث أدخلوا فيه ما لا يشمله اللفظ على زعمهم، وأخرجوا منه نظير ما أدخلوا من حيث دلالة اللفظ عليه أو عدمها.أ.هـ.
الجواب عن هذا الاعتراض:
قال أبو عبيد رحمه الله: وأما النقر والتبر، فإن الزكاة فيهما واجبة، وذلك أنهما كالورق والتبر الذي لا ينتفع منهما بأكثر من الانفاق وهما مفارقان للحلي في معناه من اللبس والاستمتاع به، فلهذا وجبت فيهما الزكاة، وقد أفتى بذلك غير واحد من أهل العلم.أ.هـ [2] .
قلت: لا يصح اعتبار إيجاب الجمهور للزكاة في البتر، ونحوه كالحلي المتخذ للقنية والادخار، مع عدم إيجابهم الزكاة فيما أعد للاستعمال من باب التناقض والتحكم، لسببين:
أحدهما: أن التبر وما لا يستعمل من المصوغات لا يشمله اسمي الرقة والدنانير، ولا اسم الحلي، فنبغي أن يلحق بأقر بهما له شبها، وإلحاقهما بالورق والدنانير أقوى، لأنهما بمعناه كما قال أبو عبيد، ولأنه لا يصح أن يطلق اسم الحلي إلا على ما أعد للاستعمال، أما ما لا يستعمل من مصوغات الذهب والفضة فلا يسمى حليا.
فظهره بهذا أن الجمهور لم يتحكموا ولم يتناقضوا حينما أفتوا بوجوب الزكاة فيما لم يستعمل من المصوغات، وعدم وجوبها فيما استعمل، لأن هذا عين التحقيق، بل إن مما يشكل على الموجبين أنهم لم ينضبطوا في الحلي حيث أوجبوا الزكاة في بعضه، ولم يوجبوها في بعضه الآخر كحلي اللؤلؤ والماس، فهم قد فرقوا بين شيئين متماثلين في الاستعمال وفي نية التملك، وحكم الإبداء.
(1) يريد بهذا اللفظ: حديثي: (في الرقة ربع العشر) و (ليس عليك شيء حتى يكون ذلك عشرون دينار) وقد صرح بهما قبل هذا الاعتراض.
(2) كتاب الأموال ص451.