السبب في هذا أن حلي القنية فيه الزكاة قبل نيته للتجارة فلا أثر للنية هنا في إيجاب الزكاة فيه، بخلاف ثياب القنية فإنه لا زكاة فيها، فإذا نويت للتجارة، فقد أخذت أحكام عروض التجارة، ومن المقرر أن الأصل في عروض التجارة أنها غير زكوية، ولكنها صارت زكوية لما ملكت لذلك، بخلاف الحلي فإن الأصل فيه، أنه مال زكوي، ولذا فإنه تجب فيه الزكاة بمجرد تملكه، ولا يشترط له نية الاقتناء ولا نية التجارة أو النفقة، إلا أن النية شرط في سقوط الزكاة عنه لا في وجوبها فيه.
ولذا يشترط للحلي نية التزين به، وهذا تخصيص من عموم أصل الذهب والفضة، وليس هو هدم لأصلهما، وسبب هذا أن حلي الذهب والفضة تنازعه أصلان أصل عام، وأصل خاص، أما الأصل العام فهو وجوب الزكاة في كل أنواع الذهب والفضة من التبر والنقر والدراهم والدنانير والسبائك والحلي المتخذ للتجارة، أو للقنية أو للإنفاق، أو الزينة، فخص منه حلي الزينة، لأنه شارك غيره مما تتزين به النساء في كل الأحكام من تحريم الإبداء، واختصاص النساء فيه، ونية التملك، وما يستعمل له، فصار من جملة لباس النساء، والأصل في زينة النساء عدم وجوب الزكاة، فيجب أن يدخل الحلي في هذا الأصل، وإلا حصل التفريق بين المتماثلات، وتقديم الأصل العام على الأصل الخاص، وهذا لا يصح والله أعلم.
الوجه الثامن:
قالوا: لو نوى الفرار من الزكاة باتخاذ الحلي لم تسقط الزكاة، وظاهر كلام أكثر أصحاب الإمام أحمد أنه لو أكثر من شراء العقار فرارا من الزكاة سقطت الزكاة، وقياس ذلك لو أكثر من شراء الثياب فرارا من الزكاة سقطت إذ لا فرق بين الثياب والعقار، فإذا كان الحلي المباح مفارقا للثياب المعدة للبس في هذه الأحكام، فكيف توجب أو تجوز إلحاقه بها في حكم دل النص على افتراقهما فيه؟
الجواب عن هذا الاعتراض: