الصفحة 15 من 156

فإذا ما وَقَفَ المرءُ بباب الله تعالى طالبًا مددَه، وطالبًا منه العَوْنَ والتيسير، وطالبًا منه الهداية والقُرْبَ، وطالبًا منه - سبحانه وتعالى - العَوْنَ على هذه الأعمال والطاعات، ويَتَضرَّع إليه بقلب مسكين، منكسِرًا، خاشعًا، يَعْلَمُ أنه لا حول له ولا قوة، وأنه لا قُدرةَ له ولا استطاعة على تحقيق ذلك إلا بربه - سبحانه وتعالى -، يدعوه ويتمَلَّقُه - جل وعلا - بإخلاصٍ، وإقبالٍ، وصِدْقٍ مع الله تعالى أن يفتح الله - تبارك وتعالى - عليه.

والطريق لتحقيق المغفرة لا بُدَّ وأن يبدأ بالتوبة، فلا بُدَّ أن تصادِف هذه الأيام مؤمنين قد تابوا إلى الله تعالى من ذنوبهم ومعاصيهم، لأن سببَ عدمِ المغفرة في رمضان، وسببَ عدمِ العتق من النار، وسببَ عدمِ رَفْعِ الدعاءِ، والقيام، والصيام، وسببَ خُرُوجِهم من رمضان كما دَخَلوا فيه - ورجوعهم سيرتَهم الأولى من الغفلة والبعد، وترك القيام والصيام، والصدقة والعمل الصالح، والذكر، وقراءة القرآن فجأة - بَعْد رمضانَ سبب كل هذا, أنهم يدخلون رمضان ولم يَتَطَهَّروا من الذنوب والمعاصي، ولم يتوبوا إلى الله تعالى التوبةَ الصادقة، فمَنْ لَمْ يَتُبْ كما قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (( (( } [الحجرات: 11] فكيف يَغْفر للظالمين في رمضان؟! وكيف يَرْحمهم؟! وكيف يَعْتِقهم من النار؟! وكيف يَتَقبَّل أعمالهم؟! والله لا يتقبل من هؤلاء: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (( (( } [المائدة: 27] ، كما قال الله - سبحانه وتعالى -.

والتوبة هي: النَدَم والعَزْم على أن لا يعود، وأن يُقْلِع عما هو فيه، وأن يتحلَّل الناس من مظالمهم اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم، وإنما الحسنات والسيئات: «أَخَذَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ حَسَناتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فوُضِعَ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [1] ، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

لذلك كانت التوبة هذه الأيام أهمَّ ما يدخل به رمضان، فإنه إن دَخَل رمضان بالتوبة خَرَج من رمضان بالتوبة، إن دَخَل رمضان بالقرآن خَرَج بالقرآن، إن دَخَله بالصيام خَرَج بالصيام؛ كلُّ ذلك بعد التوبة, فإن تَحَقَّقَت التوبة بينه وبين ربه، وخَرَج من المظالم بينه وبين الناس، وأَصْلح فيما بينه وبينهم - كما ذكرنا - فإنَّ فَسَادَ ذَاتِ

(1) أخرجه مسلم (2581) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت