ومن معاني الحسيب أنَّه الحفيظ على عباده كلَّما عملوه، أحصاه الله ونسوه، وعلم تعالى ذلك، وميّز الله صالح العمل من فاسده، وحسنه من قبيحه، وعلم ما يستحق من الجزاء ومقداره من الثواب والعقاب. فهو في هذا المعنى بمعنى الحفيظ، وللحفيظ أيضًا معنى آخر يقارب معنى الكافي الحسيب، وهو الذي تكفل بحفظ مخلوقاته وإبقائها، {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا} [فاطر:41] . فهذا حفظ عام.
وأما الحفظ الخاص فقد قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: (احفظ الله يحفظك) - رواه أحمد (1/ 293) ، والترمذي (رقم:2516) .. فمن حفظ أوامر الله بالامتثال ونواهيه بالاجتناب، وحفظ فرجه ولسانه وجميع أعضائه، وحفظ حدود الله فلم يتعدها، حفظه الله في دينه من الشبهات القادحة في اليقين، وحفظه من الشهوات والإرادات المناقضة لما يحبه الله ويرضاه، وحفظ عليه إيمانه {وما كان ليضيع إيمانكم} [البقرة:143] ، وحفظ الله عليه دنياه، وحفظه في أولاده وأهله ومن يتصل به.
كذلك ينقله الله من حالة أعلى من ذلك - كذا في الأصل ولعلها"إلى حالة أعلى من ذلك".، وهي انَّه من حفظ الله وجده أمامه وتجاهه ويسِّدده ويوفقه، وتحصل له معية الله الخاصة التي لا تحصل إلا لخواص الخلق.
قد فسَّرها -صلى الله عليه وسلم- بتفسير جامع واضح، حيث قال في دعاء الاستفتاح: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأن الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) - رواه مسلم (رقم:2713) . وهو في أذكار النوم .. فبيَّن معنى كلِّ اسم ونفى ما يناقضه، وهذا أعلى درجات البيان. وهنا نكتفي بهذا التفسير والبيان الذي لا يُحتاج إلى غيره.
أي واسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصى أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، فجميع العوالم العلوية والسفلية الظاهرة والباطنة كلُّها لله.