وقال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] ، فقد تكفّل الله بهداية القلوب لكلِّ مؤمن صادق الإيمان، وإنَّما يكون مؤمنًا حقًا إذا حقق أصول الإيمان، وكان إيمانه بالمأمورات يطلب منه امتثالها وبالمنهيات يقتضي خوفه تركها، وإيمانه بالقضاء والقدر يعلم أن المصائب من عند الله العزيز الحكيم الرحيم، فيرضى بذلك ويسلم وهذا أمر معلوم لأهل الإيمان الصحيح.
ومن ذلك جميع ما ذكره في دلالة القرآن على الأخلاق الجميلة الحميدة والأمر بها، ونهيه عن الأخلاق الرذيلة. فهذا من براهين التوحيد والرسالة وصحة جميع ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-.
النوع الثاني من علوم القرآن ومقاصده
علم الآداب والأخلاق الكاملة
القرآن الكريم كتاب تعليم وإرشاد، وكتاب تربية على أكمل الأخلاق، وأحسن الآداب، وأسمى الأوصاف، وحث عليها بكلِّ وسيلة، وزجر عن ضدها، لا يوجد خلق كامل وإلا وقد دلّ عليه القرآن، ولا أدب حميد إلا وقد دعا إليه وبيّنه، والأخلاق الكاملة والآداب السامية تجعل صاحبها مستقيم الظاهر والباطن، معتدل الأحوال، مكتمل الأوصاف الحسنة، طاهر القلب نقيّه من كلِّ درن وآفة ونقص، قوي القلب، متوجهًا قلبه إلى أعلى الأمور وأنفعها، قائمًا بالحقوق الواجبة والمستحبة، محمودًا عند الله وعند خلقة، قد حاز الشرف والاعتبار الحقيقي، وسلم من كلِّ دنس وآفة، قد تواطأ ظاهره وباطنه على الاستقامة، وسلوكِ طريق الفلاح، وعلُوُ مكانة المتخلق بأخلاق القرآن وآدابه لا يمتري فيه من له أدنى مسكةٍ من عقل، لأنَّ العقل من أكبر الشواهد على حسن ما جاء به الشرع.
ولهذا ينبّه الله أولي العقول والألباب، ويوجّه إليهم الخطاب، لأنَّه كلَّما كمل عقل الإنسان عرف كمال ما جاء به الشرع، وأنَّه يستحيل وجود قانون أو نظام أو غيرها يقارب ما جاء به القرآن كمالًا وفضلًا، ورفعة وعلوًا ونزاهةً، ويُعرف ذلك بتتبع ما جاء به القرآن.