فمن ذلك إخباره أنَّه يهدي بكتابه من اتبع رضوانه سبل السلام، وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69] فمن جمع بين هذين الوصفين وهما الاجتهاد التام، وبذل المجهود مع حسن القصد لطلب رضوان الله هداه السبيل الموصلة إليه، وإلى دار كرامته، وحصولُ الهداية العلمية وهي العلم النافع، والهداية الفعلية هداية التوفيق لاتباع الحق لازمةٌ للاجتهاد وحسن القصد لا تتخلف عنهما، فمن عُدمت هدايته أو ضعفت فلفقدهما أو فقد أحدهما أو ضعفهما.
وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل:97] ، وهذا مشاهد لأهل البصائر. أنَّ مَنْ جمع بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح -وهو ما يحبه الله ويرضاه- أنَّ الله سيحييه في هذه الدار حياة طيبة.
وأصل الحياة الطيبة طيب القلب، وراحته وسروره، والقناعة والرضى عن الله، فلو كان المؤمن الصادق في أضيق عيش لكانت هذه الحياة الطيبة حاصلة له بوعد الله الصادق الذي لا يخلف الميعاد.
وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] وحصول طمأنينة قلوب المؤمنين الصادقين بذكر اللهِ والإنسِ به وبعبادتِهِ أمرٌ لا يمتري فيه أحد من أهل الذوق والوجد.
وَمَا يجده أهل الإحسان الصادقون من ذوق حلاوة الإيمان، وحقائق اليقين والإنس بذكر الله، والطمأنينة به، والأحوالِ الزكية والشواهد المرضية، على ما أخبر به الرسول أجلُّ وأعظم من كثير من البراهين الحسية، فإنَّهم وصلوا في هذه الأمور إلى حق اليقين الذي هو أعلى مراتب اليقين والحق.