أقول: علو الله على خلقه معلوم بالفطرة، فالعبد إذا دعى الله اتجه بقلبه وروحه إلى الله عز وجل رافعًا رأسه إلى السماء، وطالبًا المدد ممن استوى على العرش، ويقول أهل السنة بأن الله مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، وعلمه بكل مكان، والاستواء معناه الاستقرار؛ لأن هذا مقتضى اللغة؛ قال الله عز وجل: (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (وإنَّا إلى ربنا لمنقلبون ( [الزخرف: 13 14] فالاستواء هنا معناه الاستقرار، وكذلك قوله تعالى: (واستوت على الجودي وقيل بعدًا للقوم الظالمين ( [هود: 44] أي استقرت عليه، فمن أراد أن يتأوله بغير هذا المعنى فإنه يعتبر ضالًا، وإن الأشاعرة يتأولون هذه الصفة بأنه استولى، وهذا باطل؛ لأنهم يستدلون ببيت الأخطل:
قد استوى بشر على العراقِ ... من غير سيف أو دمٍ مهراقِ
والأخطل نصراني خبيث لا يمكن أن يُمثَّل بشعره لتفسير القرآن.
علمًا بأن الاستيلاء لا يكون إلا على شيء لم يكن العبد مستوليًا عليه قبل ذلك، ولهذا أنكر مالك بن أنس رحمه الله على من قال له: (( أرأيت قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى(كيف استوى؟ فأطرق الإمام مالك وعلته الرَّحُضاء - أي العرق - ثمَّ رفع رأسه فقال: ..."الإستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأنت رجل سوء، أخرجوه، فأمر به فأخرج ) ) (1) ."
ومن فسر الاستواء بأنه الهيمنة أيضًا فهو بمعنى الاستيلاء وكل ذلك جهل وضلال، فمن الذي كان يهيمن على العرش قبل خالق العرش سبحانه وتعالى. وهذا جانب من العلو؛ وهو علو الذات.
بقي جانبان هما: علو القدر، وعلو الصفات.
فإذا كان الله عز وجل له ذاتٌ لا تشبه الذوات، فيجب أن نعلم بأن له صفات لا تشبه الصفات؛ فإذا وصفنا الإنسان بالقدرة فهل الاتفاق في الاسم يلزم منه الاتفاق في الحقيقة؟